يبدو أن حجم الكارثة الحضارية التي نعاني منها أكبر بكثير مما كنت أظن وأتخيل وأرجو، إذ لا أستطيع أن أستوعب كيف يمكن لأناس يحترمون عقولهم أن يأخذوا على محمل الجد رجلًا يقسم أنه يرى مخلوقات من الجن تتراقص أمام عينيه، وأن المصابيح الكهربائية تضيء من تلقاء نفسها دون اتصالها بأي تيار كهربائي ببركة حضوره! لا بل وأن يدافعوا عنه باستماتة ويدعوا الناس إلى إعادة تشكيل معتقداتهم الدينية بالرجوع إلى ترهاته وضلالاته! والأدهى والأمر أن دفاع الكثيرين عنه يأتي تحت مظلة الزعم بأن خطابه يقوم على العقلانية والمنطق! مع أنني لا أدري ماذا أبقى وأبقوا لأهل الدجل والخزعبلات، إذا كان لمن يدعي رؤية الجن والإتيان بالكرامات في أيامنا ومن يصدقونه علاقة بالعقل والتفكير السليم! وحتى وإن افترضنا من باب الجدل أن للرجل كرامات فعلًا، فإن أصحاب الكرامات يتسمون بأقصى درجات التواضع والتستر، فلا يتشدقون بالحديث عنها والتباهي بها، كما يفعل صاحبنا عدنان إبراهيم، إلا إذا كانت كراماتهم المزعومة هي من باب الشعوذة والسحر الأسود!

في ظل استشراء الجهل المطبق في عالمنا الإسلامي، اختلت الموازين وتشوهت المعايير، وبات ما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة عما سيحدث آخر الزمان ينطبق على حال أمتنا إلى حد بعيد. فقد كثرت الفتن، وأصبح الصادق يكذَّب، والكاذب يصدَّق، وتكاثر الأدعياء الذين يتحدثون في شؤون الناس بغير علم. ولكن الجاهل ضحل الوعي ما أدراه، فهو يظن كل متحدث طلق اللسان عالمًا لا يشق له غبار، فيمنح نفسه الحق في أن يسمي ذلك المتحدث بالعلم العلامة، مع أن ما يقوله هو مجرد هذيان في ميزان أهل العلم، هؤلاء الذين قد يتحاشون مناظرته لا عجزًا أو خوفًا، كما يظن معاشر الجهلة، بل لأنهم يدركون أن من الحمق أن يدخل المرء في نقاش مع شخص أفاق جاهل، لأن الجهلة لن يستطيعوا أن يميزوا من هو العالم حقًّا، وسينحازون حتمًا إلى من يتحدث بما يرضي قناعاتهم المسبقة المنحرفة! فالأغلبية الساحقة من الناس لا تبحث عن الحق، وإنما عما يمكن أن يدعم أفكارهم وتحيزاتهم، دون أن يكترثوا في قليل أو كثير بتقييم مدى سلامة تلك الأفكار أو صحتها. وكيف لهم أن يفعلوا ذلك، وهم لا يترددون في المحاماة عن شخص يقول لهم إنه يرى الشياطين ويصارعهم بل ويقضم أصابعهم، كما جاء في كلام عدنان إبراهيم في واحد من الفيديوهات!

ومع ذلك، فإن الكثير من العلماء عصروا على أنفسهم ليمونة كما يقال، وأبدوا استعدادهم لمناظرة عدنان إبراهيم، لتوعية الناس بخطر مقولاته الضالة، ولكنه أخذ يتملص ويتهرب، لأنه يعلم أنه لن يستطيع الصمود أمام أهل العلم، وسيفتضح جهله وخبث مقولاته. لكن المرء المنصف الذي يتمتع ولو بشيء من رجاحة العقل لا يحتاج إلى مناظرات حتى يتأكد من حقيقة الرجل، فببحث بسيط سريع على موقع اليوتيوب، يستطيع أن يجد الكثير من الفيديوهات التي أبرزت تناقضاته، وجهله، وتدليسه، وسطحية فهمه، وتطاوله على أحكام الدين. وحري بالمطبلين له أن يتوقفوا عند تلك الشواهد، وأن يحللوها بموضوعية، ويحاولوا التفكير النقدي فيما جاء فيها، بدلًا من أن يجمدوا عقولهم ويكتفوا بالتصفيق الأعمى لبطلهم مصارع العفاريت.

أعرف أنني أضيع وقتي، وأنني كمن يؤذّن في مالطا، ولكن من يدري، فلعل الله يهدي بكلامي ولو قارئًا واحدًا، لأن في اتباع المقولات التي يروجها عدنان إبراهيم خطرًا على سلامة دين المرء. فكلمة واحدة يلقيها الإنسان لا يلقي لها بالًا قد تهوي به إلى الجحيم، إذا أسخطت الله تعالى، فكيف بمن يردد كالببغاء الكثير من المقولات التي تدخل صاحبها في خانة الزندقة! لذلك فإنني سأعيد تأكيد بعض الأبجديات والقواعد والأعراف العلمية والأكاديمية، التي توضح لماذا لا ينبغي الثقة بكلام صاحبنا عدنان إبراهيم:

ـ لست أنت عزيزي القارئ من يملك الحق في تقييم من هو العالم ومن هو الجاهل في أي حقل معرفي، إلا إذا كنت من أهل ذلك الحقل ومتخصصًا فيه أعلى درجات التخصص. فحتى تحكم مثلًا على شخص ما بأنه فقيه، ينبغي أن تكون على دراية عميقة بالفقه. أما إن كنت جاهلًا في الفقه، أو محدود المعلومات فيه، فمن السذاجة والحمق إقدامك على تقييم من يتحدثون في الفقه، وإسباغ الألقاب والصفات عليهم، من قبيل «العالم العلامة» و«الإمام» و«العبقري»… إلخ، وأنت لا تعلم مدى صحة ما يقولون به، لمجرد أنك أعجبت بكلام أحدهم ووجدته ينسجم مع ما تراه، أو ما تتمناه! فبما أنك من المغرمين بسماع الموسيقي مثلًا، فالأرجح أنك ستنفر من فقيه يقول بحرمتها أو كراهيتها، وستنحاز في المقابل لمن يقول بتحليلها، مسارعًا إلى اتهام الأول بالتخلف والجهل والظلامية وانسداد الأفق، مع وصف الثاني بالتقدمية والانفتاح والعبقرية والفهم الصحيح لروح الإسلام! وهذا ما يفعله أتباع عدنان إبراهيم، فمقولاته تجد صدى في أنفسهم، لا لأنهم يرون أو يدركون صحتها من الناحية الشرعية، بل لأنها توافق أهواءهم، وتدعم وجهات نظرهم الميالة إلى انتهاك الأحكام الشرعية التقليدية لسبب أو لآخر!

في العالم الأكاديمي والمهني، ولتنظيم هذا العالم وحمايته وإكسابه الشرعية، قام أهل كل حقل علمي ومعرفي ومهني بوضع مبادئ وشروط واضحة، تحدد مواصفات الذين يحق لهم الانتماء إليه، والعمل فيه وتطويره، والحديث باسمه. فحتى تتحدث وتنظّر في طب الأعصاب مثلًا، عليك أن تكون متخصصًا في هذا المجال، أي أن تحصل على تأهيل أكاديمي وتدريب منتظم ومعترف به من جانب أهل الاختصاص. وهذا ينسحب على علم الشريعة بالطبع، فحتى تتحدث في هذا العلم، ينبغي أن تجاز من المؤسسات المعتمدة المختصة فيه. ولأننا نتحدث عن شريعة ودين، أي عن موضوع لا مجال للعبث فيه، بوصفه يتناول عقيدة الناس ومقدساتهم ومصيرهم الأخروي، فإن الاعتماد ينبغي أن يأتي من مؤسسات موثوق بها، تعبر عن صحيح الدين، وليس من أي مؤسسة تزعم اختصاصها في الدين. وبما أن عدنان إبراهيم يعطي لنفسه الحق في الحديث في علم الشريعة، فمن حق الناس أن يعرفوا من أين وكيف حصل على درجاته العلمية، ووجود شبهات حول تلك الدرجات، لا يبدو الرجل متحمسًا أو معنيًا بتفنيدها وتبديدها، يوحي بوجود مشكلة ما فيها. أما إذا صدقنا ما جاء في موقع الويكيبيديا عن سيرته، فهو يحمل درجة البكاوريوس في الشريعة من كلية الإمام الأوزاعي في لبنان، بينما يحمل درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة فيينّا، وهذا يفقده ولا شك الحق والأهلية للاجتهاد والتنظير في أمور الدين. فهو يعني أنه تتلمذ على يد مستشرقين غير مسلمين، دأبوا على الطعن في الإسلام وتشويهه، وإذا ما تبين أنه يردد مقولاتهم، وهذا بالفعل ما يمكن ملاحظته، فهذا يعني أنه يمارس دورًا استشراقيًّا خطيرًا ومشبوهًا!

وهنا علينا أن نتذكر أن الحرب ضد الإسلام قد بدأت منذ ظهوره، حيث تظاهر الكثير من أعدائه باعتناقه للعمل على تشويهه وهدمه من الداخل، ولذلك ظهرت عشرات الفرق الضالة المنحرفة، التي بذلت قصارى جهدها لتحريف الإسلام وإثقاله بما لا حصر له من طروحات وأفكار شاذة. تلك الفرق الضالة وجدت وستجد في كل عصر من يتحدث باسمها، بعد أن يرتدي القناع الأنسب لطبيعة العصر. وبما أن عصرنا يسمى عصر العلم، فإن مجرد رفع شعار العلم والعقلانية سيكون كافيًا لاجتذاب الكثيرين ممن يدعون الإيمان بالعلم، وأقول «يدعون» لأن الكثير من العربان خاصة لا علاقة لهم بالعلم في واقع الأمر، حتى وإن كانوا من طلابه كما تقول هوياتهم، فالجامعات العربية في معظمها هي مجرد «دكاكين» من الظلم نسبتها إلى العلم، والدليل أننا نعيش في حالة مروعة من التخلف، بالرغم من وجود مئات الجامعات وملايين الخريجين في كل الميادين! وكما سبقت الإشارة، كيف يمكن لإنسان يزعم أنه يحترم العلم حقًّا أو يمت له بصلة أن يدافع بحماس عن شخص يؤكد له أنه يرى الشياطين، ويتعارك معها!

بعض الذين يدعمون عدنان إبراهيم ينطلقون في دعمهم من مواقف سياسية، ومن كراهيتهم لبعض المشايخ المنتمين إلى المؤسسات الدينية التقليدية، مثل مؤسسة الأزهر، ليقعوا بذلك في مغالطة خطيرة، مفادها الخلط المتعسف بين المؤسسة نفسها، وبين بعض المنحرفين الذين يتطفلون عليها. فهناك فرق شاسع بين تلك المؤسسة، التي ظلت لقرون معقلًا صلبًا للدفاع عن الإسلام الصحيح ونشره، وبين بعض من باعوا أرواحهم للشيطان ممن يزعمون الانتساب إليها. فهؤلاء لا يعبرون عن تلك المؤسسة بحق، وهناك الكثير من أبنائها ممن يأبون بيع دينهم أو تحريفه لعرض من الدنيا، وهناك في تلك المؤسسة ما لا حصر له من أمهات الكتب التي تفضح كل منحرف يحاول التلاعب بالدين لخدمة أسياده في السلطة. والسؤال الوجيه الذي يطرح نفسه هنا: إذا انسقنا خلف عدنان إبراهيم ومريديه الداعين إلى عدم الثقة بالمؤسسات الدينية التقليدية التي حافظت على نقاء الإسلام لقرون، فأي مؤسسات يمكن الثقة بها بعد ذلك لحفظ الدين وضمان عدم تشويهه، هل نضع ثقتنا في الجامعات الغربية التي فطمت على الطعن في الإسلام، والتي تخرج عدنان إبراهيم من إحداها؟! وفي سياق الحديث عن المواقف السياسية، علينا أن نتذكر أن عدنان إبراهيم لا يخفي تأييده للمجرم بشار الأسد، فإذا كنا نرفض تلقي الدين عن علي جمعة أو أحمد الطيب مثلًا لدعمهما المجرم السيسي، فأي دين هذا الذي يمكن أخذه عن شخص يدعم ذنب إيران السفاح الأسد؟!

مرة أخرى، أعرف أنني أضيع وقتي، وقد صدق المثل القائل: إذا جن قومك ما نفعك عقلك، لذلك سأذهب لمشاهدة فيديوهات العالم العلم العلامة الحبر الفهامة فريد عصره ووحيد زمانه آية الله عدنان إبراهيم، فلعل العفاريت التي تتجلى له تخرج لي وتأخذني إلى جزر الواق واق حيث لا يوجد إلا القرود والسعادين، فأرتاح من هذا العالم الأحمق ومن فيه!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد