ألقى د. عدنان إبراهيم خطبة تحت عنوان «وعينا المثقوب» أنحى فيها باللائمة على من يعتقد بأن التاريخ رواية فقط، والمقصود هنا هم السلفية، وقال إن التاريخ لم يكن يومًا رواية فقط، بل هو رواية ورؤية، وهذا كلام سليم بلا شك، لكن للأسف هذه القاعدة لم يلتزم بها د. عدنان إبراهيم في خطبة أخرى تحت عنوان دماء رخيصة، ونحن لا نعلم إن كان لم يلتزم بها سهوًا أو عن رؤية.

هناك طريقتان للتعامل مع التاريخ، الأولى يطلق عليها اسم التاريخ الصغير، وفيها نركز على أخبار البلاط والقصور، وما يدور فيها من الترف والصراعات الكيدية، والصراعات الدموية، وغالبًا ما يكون مثار السخط والاشمئزاز، ويعمل التاريخ الصغير على تقزيم دور الأمة، وتحطيم روحها المعنوية، والطريقة الثانية يطلق عليها اسم التاريخ الكبير، ويكون التركيز فيها على إنجاز أمة من الأمم في المجال العسكري والاقتصادي والإنساني والعلمي والفكري والاجتماعي والقانوني والقيمي، ودورها في خدمة البشرية، هنا يكون الهدف رفع معنوية الأمة، وتأكيد هويتها وقدرتها على العطاء، وعبقريتها الخاصة.

الأول الغرض منه زرع الإحساس بالتهميش والضعف والعجز، في الأول يكون التاريخ أداة تحطيم نفسي، وعندما يستعمل في الثانية يكون أداة بعث نفسي، وقد اعتدنا من المستشرقين وأتباعهم في العالم الإسلامي التركيز على التاريخ الصغير وإبرازه، لكن للأسف أن د. عدنان إبراهيم في خطبته دماء رخيصة، سلك هو الآخر مسلك المستشرقين.

وصف د.عدنان إبراهيم التاريخ الإسلامي في خطبته دماء رخيصة بأنه تاريخ ينزف دمًا، وبأنه تاريخ نازف على المستوى الطائفي والسياسي؛ فقال هذه الحروب والمذابح جارية في تاريخك باستمرار، يا أخي غريب أن يصدر كلام كهذا من رجل الدين يرى نفسه إسلاميًّا، نحن نسأله بدورنا هل يوجد تاريخ لا ينزف دمًا وبدون استثناء تاريخ الأنبياء أيضًا؟ يقول نيقولا ميكيافلي في مكان ما من كتابه الأمير أثبتت الأيام أن الأنبياء المسلحين احتلوا وانتصروا، بينما فشل الأنبياء غير المسلحين عن ذلك.

لو ذهبنا نستقرئ تاريخ أي أمة من الأمم، سواء أكانت غابرة أم حاضرة، ستجد في تاريخها ما وجدته في تاريخك تقريبًا، وقد قمت بقراءة موسوعة ويل ديورانت بالكامل قصة حضارة 42 مجلدًا لم أجد مجلدًا واحدًا، ولا تاريخ أمة من الأمم، إلا ويوجد فيه دماء ومعارك وحروب، ولو قمنا بمقارنتها بتاريخنا فنحن على خير عظيم، لولا وجود الحروب لما كان هناك شيء اسمه تاريخ أصلًا، هذا الكلام نفسه قاله جان جاك رسو في مكان ما في كتابه إميل.

لماذا نذهب بعيدًا الآن والعلمانيون يحكمون العالم؟ هل انتهت الحروب؟ اقرأ كتاب عقيدة الصدمة لنعوم كلايين وأنت تجد الجواب شافيًا وافيًا، إن لم تستطع، شاهد وثائقيًّا تحت العنوان نفسه على يوتيوب للكاتبة نفسها، وستتضح لك الصورة، أكبر الحروب عبر تاريخ البشرية هي الحرب العالمية الأولى، وثانية تدين لنسخة ما بعد الحداثة، وأكبر ترسانة أسلحة وجدت في التاريخ موجودة الآن في القرن الواحد والعشرين، لماذا نخص التاريخ الإسلامي بأنه تاريخ نازف، إذا كان تاريخ البشرية بأكمله تاريخًا نازفًا، أين الخصوصية التي يمكلها؟

هنا يبرز سؤال، لماذا لانتخاب ما يقال عنه أخطاء بعض الإسلاميين السياسية والفقهية، وترك محيط من الحضارة؟ ولماذا هذه الخطبة الآن رغم أنهم ليسوا في السلطة؟ ورغم أنهم تقريبًا غُيِّبوا عن المشهد بالكامل من قبل خصومهم العلمانيين؟ ممكن أن أسأل: أين هم الشافعية الآن؟ أين هم الحنفية؟ أين هم المالكية؟ أين هم الحنابلة؟ فعل كهذا شبيه بتقديم خطبة عن زيوس أو جوبيتر والقول بأنهم آلهة لا وجود لها، لكن أنا أعلم أن القضاء على مذهب ما عسكريًّا لا يكفي، والأمر يحتاج معركة فكرية لكي لا يبعثوا مرة أخرى.

بنى د. عدنان إبراهيم هذا الحكم استنادًا إلى ثلاث وقائع قال بأنها حروب مليونية، الأولى جاءت في قاموس ياقوت الحموي هذا هو نصها يقول: «رأيت الريّ سنة 617، أنها خاوية علی عروشها، فكان سبب ذلك ما وقعت من العصبية بين السنة والشيعة، وتطاولت بينهم الحروب حتی لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلما أفنوا وقعت العصبية بين الحنفيين والشافعية، ووقعت بينهم الحروب ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض، ودروبهم التي يسلك بها إلی دورهم علی غاية الظلمة وصعوبة المسلك (معجم البلدان 3/ 117) أضاف د. عدنان إبراهيم هذه التفاصيل، لم نجدها عند ياقوت، إذ يقول: أحرقوا أسواقهم ومساجدهم وزواياهم ومحالهم ودورهم خربوها بالكامل، مذابح حقيقية، ذبح كامل، إبادة كإبادة التتر والمغول.

الاعتراض الأول: كيف تكون قد وقعت مذبحة مليونية في مدينة الري، وهنا النزاع وقع على مستوى مدينة (جزء) ونحن نعلم أن نزاعًا وقع على مستوى الخلافة (الكل) بين علي -رضي الله عنه- وبين معاوية لم يخلف غير 70 ألف قتيل، نزاع الجزء خلف قتلى أكثر مما خلفه نزاع الكل 14 مرة، هذا كلام فارغ.

الاعتراض الثاني: نقل ياقوت عن الجغرافي الإصطخري، ونقل عن ياقوت د. عدنان إبراهيم في الخطبة نفسها قوله إن مدينة الري أكبر المدن بعد بغداد، سؤال: كيف تكون مذبحة مليونية في مدينة الري إذا كانت بغداد نفسها التي هي أكبر منها ليس فيها غير نصف مليون؟ هذا خلف الاعتراض الثالث: كيف تكون في مدينة الري مذبحة مليونية، ونحن نعلم أن في فتح عمورية لم يكن حشد الجنود بين الخلافة الأموية والإمبراطورية البيزنطية سوى 130 ألفًا؟ وهنا الكلام عن صراع أكبر من الذي يقال إنه وقع في مدينة الري، وأكبر من النزاع الذي وقع على مستوى الخلافة بين علي -رضي الله عنه- ومعاوية، الأول على مستوى مدينة، الثاني على مستوى عالمي بين إمبراطوريتين، تشبيه لتقريب نزاع الري نشبهه بنزاع بين أهل مدريد بعضهم وبعض، وحرب عمورية، كالحرب بين أوروبا والعالم الإسلامي الآن، المنطق يقول الثانية، عليه أن يكون فيها قتلى أكثر، لكن ليس هذا هو الحاصل معنا، فالقصة إما فيها مبالغة أو كذب بالكامل.

الاعتراض الرابع: كيف لمذبحة مليونية أن تكتشف بالصدفة، وفي مصدر واحد، وهناك نزاعات أصغر بكثير موجودة في تاريخنا بالعشرات وفي عشرات المراجع؟ سؤال آخر لدكتور عدنان إبراهيم، من أين أتى بحكم أن نزاع الري كانت فيه مذبحة مليونية إذا كان صاحب الرواية لم يقل عنها مليونية؟ سؤال آخر: هل يوجد شيء اسمه أسواقهم؟ لا يوجد أسواق لشيعة وسنة، فضلًا عن أن يكون هناك أسواق لشافعية ولحانفية، هذا كلام فارغ، سؤال آخر: ألم ترفض كثير من الأحاديث الآحاد؟ أليس هذه الرواية لا سند لها أصلًا لماذا قبلتها ورفضت الأخبار الأخرى الأكثر مصداقية سندًا ومتنًا؟

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد