نشر الصحفي محمد طارق الرشيدي مقالًا في موقع ساست بوست بعنوان: التأرجح الكبير.. هكذا أصبح عدنان إبراهيم إمام التناقضات، فرأيت أن أعقب على ما جاء فيه معتمدًا الرد على أمثلة مختارة في قسم أول، ثم أورد ملحوظات منهجية في القسم الثاني.

القسم الأول: كلمات وردود

جاءت في عنوان المقال كلمتان: الأولى هي: التأرجح، وهي مصدر من الفعل (تأرجح) الذي لم يرد في معاجم اللغة المعتد بها، والصواب: ترجح رأيه: اهتز وتذبذب، وتقول ترجح الرأي عنده إذا غلب على غيره (معجم تقويم اللغة، هلا أمُّون، دار القلم، ص 111).

والثانية هي: التناقض: وهو مصطلح منطقي يراد به: التلازم بين قضيتين يوجب صدق إحداهما وكذب الأخرى، وهو من أقسام التقابل، وللتناقض شروط ثمانية، أي ينبغي للقضيتين أن تتفقا في ثمانية أمور هي: الموضوع، المحمول، الزمان، المكان، القوة والفعل، الكل والجزء، الشرط، والإضافة، وهذه مصطلحات منطقية ليس المقام مقام تفصيلها، ولكنها دعوة إلى تحقيق الدعوى تحقيقًا علميًا.

قوله: اجتمعت العلوم كلها في عقل الرجل اهـ. معلوم أن (كل) من ألفاظ العموم، وهذا الكلام فيه إطلاق غريب لا يصدر عن باحث متجرد، فكيف تجتمع العلوم كلها في عقل رجل واحد؟! ولا أرى في كلامه قرينة تصرفه عن العموم.

قوله: تعتمد صحوة عدنان إبراهيم الدينية على التحرر من النصّ، إضافةً إلى الاجتهاد في الفقه والأحكام، وهو دائمًا ينسبُ فعله ويبرره بأنَّ عمر بن الخطاب سبقه في الاجتهاد اهـ. ظاهر من هذا الكلام أن معنى النص عند الكاتب ملتبس، والغالب أنه يريد المعنى المتعارف عليه في اللسانيات الحديثة، ولا يريد به المعنى الأصولي، والسؤال: هل دعا عدنان إبراهيم إلى التحرر من النص؟ وقوله: إضافة إلى الاجتهاد في الفقه والأحكام، يفهمنا أنه أمر زائد على التحرر من النص، وكان ينبغي للكاتب أن يقول مثلًا: دعوة عدنان إبراهيم إلى فهم النص الديني بوصفه خطابًا يراعى فيه حال المخاطبين وفق نظرية مقاصدية، تدور فيها الأحكام مع العلل.

قوله: هو يعتقد بأن أقصى عقوبة سيقضيها الكافرون في النار هي يومٌ واحد على سبيل المثال اهـ. أرسل الكاتب هذه الكلمة من غير أن يتمها، فالدكتور عدنان إبراهيم، حكى كلام ابن القيم في كتابه: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وهو أن عذاب الكفار يوم، وتقدير هذا اليوم هو خمسون ألف سنة كما هو في الأحاديث الصحاح، أو ألف سنة كما هو في القرآن، فالاكتفاء بذكر اليوم فيه إيهام بأنه اليوم الذي نعدُّه في الحياة الدنيا.

قوله: إنه يشكُّ في سند الأحاديث الصحيحة، ويدعو لإعادة النظر في مئات الأحاديث. وفي خطبة بعنوان: مشكلتي مع البخاري ومسلم، قال: إن البخاري ومسلم بشرٌ لهما أخطاء، ليس فقط أخطاء، وإنما مصائب حسب تعبيره. اهـ. تكثر المصطلحات اللغوية في كلام الكاتب في معرض الحديث عن قضايا علمية، والدكتور عدنان إبراهيم ليس بِدْعا من العلماء في دراسته للمرويات المنسوبة إلى النبي، فالمتقدمون والمتأخرون يحكمون مناهج المحدثين لقَبول الحديث أو ردِّه، وهم مختلفون في مناهجهم ومصطلحاتهم، وهو ليس أول من قال بأن البخاري ومسلما بشران! وأما قوله بأن من أخطائهما مصائب فقولٌ استدل له بأمثلة كثيرة كما فعل غيره.

قوله: بالرغم من دعوة التجديد التي يتبنَّاها عدنان إبراهيم، إلا أنه يقع دائمًا في فخ الاعتذار عن مواقفه المثيرة للجدل السياسية والدينية التي كان يتبناها في السابق بنفس القوة التي يعارضها الآن؛ مما قد يضعه في موقف حيرة أمام مُتابعيه اهـ. ما معنى المصطلح المركب: فخ الاعتذار؟ وهل الاعتذار فخ؟ وهل الاعتذار مثلبة؟ أم أنه محمود عند الناس عامة وقليلٌ عند المفكرين والعلماء.

تراجع الدكتور عن دعم ما سمي: ثورة الربيع العربي، بعد تأييده لها في بداياتها، موقف له أسبابه التي صرح بها كما صرح من قبل بالأسباب التي دعته إلى التأييد، لكن السبب الرئيس في هذا التراجع هو أنه أدرك أن السياسة أكبر وأعقد من أن يخوض فيها رجل دين، فقال: أنا وجدت أن حشر نفسي في الشأن السياسي لهذا البلد أو ذاك البلد… للأسف الشديد لم تكن له نتائج إيجابية بمقدار ما أنتج من نتائج سلبية ومرة ومسيئة اهـ. لكن تصريحه عن موقفه من الثورة السورية بين سنتي 2012 و2014 غير مفهوم البتة، فقد نفى أن يكون من المؤيدين للثورة السورية في بداياتها يوم استُقبل في قناة الميادين سنة 2014، في حين أنه رأى وجوبها سنة 2012 يوم استُقبل في قناة الجزيرة، وهذا اضطراب غير مفهوم ولا نملك له عذرًا.

موقف الرجل من الأزهر بوصفه مؤسسة بها علماء دين ليس متناقضًا كما يظهر، ذلك أن الأزهر نفسَه تولته زعامات اختلفت مرجعياتها، فمنهم متنورون ومنهم مقلدون، والحكم عليه ليس حكمًا كليًا ذاتيًا، إنما هو حكم على مسائل هي محل خلاف وهو حكم موضوعي في ظاهره، قد يحتمل الصواب والخطأ، وهذا لا ينفي ميله الظاهر إلى منهج إسلام البحيري وسعد الدين الهلالي وغيرهما.

القسم الثاني: ملحوظات منهجية

يعد التحيز (Bias) في البحث العلمي أو في مواقف الناس أمرًا لصيقًا بالإنسان مهما حاول أن يجاهده، وقد قلبنا عنوان البحث مِن: إمام التناقضات، إلى: تناقضات الإمام، لغايات نسطرها في شكل ملحوظات:

لا يختلف اثنان في أن الدكتور عدنان إبراهيم عالم دين محقق ومجتهد جريء ثائر على التقليد، لكنه في اجتهاده بانٍ على آراء مبثوثة في تراث المسلمين، وهي نتيجة منطقية لتراكم العلوم وليسر الوصول إلى المادة العلمية في زمننا المتأخر.

أكثر المواقف التي خدمت الدكتور عدنان إبراهيم ومكنت له جمهورا واسعا من المتابعين الناقدين والموافقين، هو رد الدكتور عثمان الخميس وأصحابه عليه في المسائل التاريخية التي لها تعلق بالصحابة وبالخلافة.

قد لا يعلم كثيرون بأن جُملةً من الباحثين المبرزين يرون أن الدكتور عدنان إبراهيم مازال تراثيا مقلدا بالقدر الذي يراه أغلب المشايخ والعلماء حداثيا مفَرِّطا في الأصول.

ينبغي للباحث المتجرد أن يعرض عن المغالطات المنطقية في بحثه لمسار الدكتور عدنان إبراهيم، من ذلك مغالطة الشخصنة والتصنيف التي نلحظها في ردود رجال الدين، أو اتهامه بالتزلف إلى أمراء الخليج.

بدأت فوائد البرامج التلفزيونية بالظهور، فقد وصل الدكتور عدنان إبراهيم إلى جمهور عريض جدا، وصرنا نلحظ مداخلات لعلماء وصحفيين في مسائل عُدَّت من قبلُ مِن قبيل: اللامفكر فيه.

أختم ببيان أن فضل الدكتور عدنان إبراهيم على العرب والمسلمين يتجلى في أمرين اثنين، الأول: إحياء عقلانية القرن الهجري الرابع، ومدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والدعوة إلى التفلسف وإلى مراجعة التراث الإسلامي مراجعة نقدية تنزع رداء القداسة عما هو بشري، والانفتاح على العلم الحديث في شتى صنوفه، كالأحياء والفيزياء والفلك وعلم النفس وعلم الاجتماع.

الثاني: إحياء الفكر والأدبيات الصوفية لدى المسلمين، وتعريفهم بأسماء غيبت لأسباب شتى، من مثل: أبي حامد الغزالي، ابن عربي، جلال الدين الرومي، بديع الزمان النورسي…، والحاصل أننا مدعوون إلى مناقشة الدكتور عدنان إبراهيم وغيره من الباحثين من مثل المهندسين محمد شحرور وعدنان الرفاعي مناقشة علمية بعيدة عن الاستعلاء والاستغناء المذموم الذي نجده عند من توسمنا فيهم الوسطية كالشريف حاتم العوني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد