المقدمة

الحمد لله مالك الملك، الحمد لله الهادي العلام، والصلاة والسلام على سيد الأنام، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الأكرام وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فيقول العبد الذليل، والعاجز الحقير، والمعترف بالتقصير، وطالب المغفرة من العزيز القدير، ياسين طه مهدي النداوي.

لقد حدث على مر العصور الكثير من التطورات الملامسة لحياتنا اليومية، وكثيرًا ما نخشى من فترة أو مرحلة من مراحل النمو البشري، ألا وهي «مرحلة المراهقة».

فكثيرًا من الآباء والأمهات يتعاملون مع هذه الفترة على أنها فترة طيش، أو يكونون مغيبين كليًّا عن الطريق الصحيح للتعامل السليم مع مراحل المراهقة، وقد تناولت في كتابي التعريف بالمراهقة ومراحل المراهقة وأبرز المشكلات التي تبرز في هذه المرحلة العمرية وقد سميت كتابي «حياة المراهقين».

راجيًا الله ألا يجعله مطروحًا في زوايا الإهمال، وأن ينفع به، وإنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.

واني لأرجو من الإخوان أن يذكروني، بصالح الدعوات، وممن اطلع على عثرة زلت بها القدم، أو هفا بها القلم، أن يدرأ بالسيئة الحسنة، فإن الإنسان قلما يخلو عن سهو ونسيان.

ومن ألقى معاذيره يكون عند الناس معذورًا.

ونسأل الله الكريم، وبجاه سيد المرسلين، أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وسببًا للفوز في جنات النعيم، وأن ينفع به النفع العميم، كل من تلقاه بقلب سليم، وينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

وصلى الله وسلم على سيد المرسلين سيدنا محمد الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

معنى اصطلاح المراهقة:

كلمة مراهقة adolescence مشتقة من الفعل اللاتيني adolescere ومعناها التدرج نحو النضج (الجنسي الانفعالي والعقلي..) و هي مشتقة من الفعل رهق بمعنى قرب، فراهق الشيء معناه قاربه، وراهق البلوغ تعني قارب البلوغ وراهق الغلام أي قارب الحلم والحلم هو القدرة على إنجاب النسل، وبذلك فالمراهقة هي:

التدرج في النضج من جميع الجوانب الجنسية الجسمية، الاجتماعية، والعقلية، وهذا التعريف لا يختلف كثيرًا عن المعنى العلمي.

اصطلاحا: المراهقة تنطلق من مرحلة كمون وهي بهذا تعد بداية ثانية لانطلاقة جديدة لعمليات النمو من جهة، كما تعد عودة قوية لمشكلات النمو التي توارت مؤقتًا أثناء مرحلة الكمون من جهة أخرى، وهكذا تبدو المراهقة وكأنها عملية استيقاظ من مرحلة كمون متسمة بالبطء في النمو وهدوئه وباختفاء المشكلات مؤقتًا مما يؤدي إلى كشف الغطاء عن المشكلات والصراعات وتجددها. وقد اهتم بهذه المرحلة العديد من العلماء والباحثين الغربيين على رأسهم آرنولد جازل A-Gessel ومعاونوه، كما اهتم بها أيضًا العالم النفساني أوسبل Ausbel 1955 وقد عرفها بأنها: «الوقت الذي يحدث فيه التحول في الوضع البيولوجي للفرد» كما عرفها العالم الكبير ستانلي هول S-Hall سنة 1956 بأنها: «الفترة من العمر التي تتميز فيها التصرفات السلوكية للفرد بالعواصف والانفعالات الحادة والتوترات العنيفة» كما أنه يعدها «مولد جديد للفرد»، و«فترة عواصف وتوتر وشدة»، ولذلك سميت نظرية Hall «بالعاصفة» أو «الأزمة» لأنها تتضمن في رأيه تغييرات ضخمة في الحياة، وهي نوع جديد من الميلاد مصحوب هذه المرة بالتوترات ومشكلات لا يمكن تجنب أزماتها وضغوطها. كما عرفها موروكس 1962 بأنها: «الفترة التي يكسر فيها المراهق شرنقة الطفولة ليخرج إلى العالم الخارجي ويبدأ في التفاعل معه والاندماج فيه» أما الباحثين العرب فقد عرفها د. عبد السلام حامد بقوله: «يعني مصطلح المراهقة كما يستخدم في علم النفس مرحلة النضج والرشد، فالمراهقة مرحلة تأهب لمرحلة الرشد». و قد عرفها د. عبد الرحمن العيسوي بقوله: «إنها سن النضج العقلي والانفعالي والاجتماعي، وتصل إليها الفتاة قبل الفتى بنحو عامين». أما عبد القادر محمد فيقول: «إنها بدء ظهور المميزات الجنسية، وذلك نتيجة لنضج الغدد التناسلية، فهي إذن مرحلة النمو المتوسط بين الطفولة والرشد، حيث يتم فيها إعداد الناشئ ليصبح فردًا يتحمل مسؤولياته للمشاركة في نشاط المجتمع…».

ويمكن تلخيص تعريف المراهقة بأنها: هي مرحلة النمو المتوسط بين الطفولة والرشد الذي يسبب كثيرًا من القلق والاضطرابات النفسية، حتى إنه كثيرًا ما يشار إلى هذه الفترة بأنها فترة أزمات نفسية، كما تنضج في هذه الفترة الوظائف البيولوجية والفيزيولوجية والجسمية عمومًا، وتتميز هذه المرحلة بظهور الفروق الفردية بشكل بارز متميز، وذلك ما نلحظه كمثال في الأقسام والتحصيل الدراسي. تقسيم مرحلة المراهقة:

هناك اتفاق على أن مرحلة المراهقة لا تحدث فجأة وبلا موعد، ولكنها عادة ما تكون مسبوقة بعملية البلوغ التي تمهد لها وقد اتفق معظم علماء النفس على أنها تنقسم إلى ثلاث مراحل:

مراحل المراهقة:

المراهقة فترة يمر بها الفرد في حياته وتلي مرحلة الطفولة وبدايتها يمكن تحديدها بأحد مظاهر التغير نحو النضج فيها، وهو البلوغ، ويقسم العلماء بغرض الدراسة مرحلة المراهقة إلى فترات، ويختلف العلماء في تحديد هذه الفترات سواء من ناحية عددها، أو من ناحية بدايتها ونهايتها الزمنية.
إذ قسم زهران (1971) مرحلة المراهقة إلى ثلاث فترات لكلِّ فترة ما يقابلها من العمر الزمني، ولكن يجب أن نذكر أنَّ أي تقسيم هدفه سهولة الدراسة فليس هناك فواصل حادة بين الفترات بعضها البعض، وهذه الفترات هي:

– مرحلة المراهقة المبكرة: من 12-14 سنة وتقابل المرحلة الإعدادية.

– مرحلة المراهقة الوسطى: من 15-17 سنة وتقابل المرحلة الثانوية.

– مرحلة المراهقة المتأخرة: من 18-21 سنة، وهي تقابل المرحلة الجامعية.

1- كتاب الشباب واستثمار وقت الفراغ

ويلاحظ أنَّ مرحلة المراهقة طويلة نسبيًّا؛ إذ تمتد ست سنوات أو أكثر إن تأخرت، وهي تربويًّا تقابل مرحلة التعليم المتوسط (الإعدادي والثانوي) وقد تمتد إلى مرحلة التعليم الجامعي عند بعضهم، كما أنَّ بعضهم قد يراهق في المرحلة الابتدائية.

ويمكن تقسيم دور المراهقة إلى المراحل التالية:

أوَّلًا: مرحلة ما قبل المراهقة: تبدأ من سن العاشرة وتنتهي في الثانية عشرة.

ثانيًا: مرحلة المراهقة المبكرة: من سن الثالثة عشرة إلى سن السادسة عشرة.

ثالثًا: مرحلة المراهقة المتأخرة: من سن السابعة عشرة إلى الحادية والعشرين.

وإنّه من السهل تحديد بداية المراهقة، ولكن من الصعب تحديد نهايتها، فإنَّ بدايتها تبدأ بالبلوغ الجنسي، بينما تحدد نهايتها بالوصول إلى النضج في مظاهر النمو المختلفة.

وهناك تقسم آخر لمرحلة المراهقة وهو كالتالي:

– مرحلة ما قبل المراهقة أو أحيانًا (ما قبل البلوغ): ويطلق على هذه المرحلة أيضًا مرحلة التحفز والمقاومة، وهذه المرحلة بين سن العاشرة والثانية عشرة (10- 12) تقريبًا وتظهر لدى الفرد تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة التالية من النمو وكذا تبدو مقاومة نفسية تبذلها الذات ضد تحفز الميول الجنسية.

ومن علامات هذه المرحلة زيادة حساسية الفرد بجنسه، ونفور الفتى من الفتاة والابتعاد عنها، وكذا تجنب الفتاة الفتى؛ فالطفل الذي كان في المرحلة السابعة لا يجد غضاضة في اللعب مع الفتيات اللاتي في سنه، أصبح يشعر بالحرج الشديد ويخشى تهكم أقرانه ورفاقه إذا ما شاهدوه يلعب مع الفتيات؛ حتى لا يهتم بأنَّ خشونة الرجال تنقصه، وكذلك الحال عند الفتاة التي يتزايد إحساسها ونفورها من الفتيات لتقويتهم وخشونتهم.

– مرحلة المراهقة المبكرة: وهذه المرحلة من سن (13- 16) عامًا، وهي تمتد منذ النمو السريع الذي يصاحب البلوغ حتى بعد البلوغ بسنة تقريبًا عند استقرار التغيرات البيولوجية عند الفرد، وفي هذه المرحلة المبكرة يسعى المراهق إلى الاستقلال ويرغب دائمًا في التخلص من القيود والمسلطات التي تحيط به ويستيقظ لدى الفرد إحساس بذاته وكيانه.

– مرحلة المراهقة المتأخرة: وهي من سن (17- 21) عامًا وفيها يتجه الفرد محاولاً أن يكيف نفسه مع المجتمع الذي يعيش فيه، ويوائم بين تلك المشاعر الجديدة وظروف البيئة ليحدد موقفه من هؤلاء الناضجين، محاولًا التعود على ضبط النفس والابتعاد عن العزلة، والانضواء تحت لواء الجماعة؛ فتقل نزعاته الفردية، ولكن في هذه المرحلة تتبلور مشكلته في تحديد موقفه بين عالم الكبار وتحديد اتجاهاته إزاء الشؤون السياسية والعمل الذي يسعى إليه.

وقد حدد هيرلوك سن المراهقة فيما بين (12- 21) عامًا. أما كول فيرى أنّ فترة المراهقة تمتد من (13-21) عامًا.

ويعرف لاندز المراهقة وجماعة المراهقين «بأنّها جماعة مكوّنة من أشخاص تتراوح أعمارهم من (12-24) عامًا». وقد قسم الحاروني وآخرون مرحلة المراهقة إلى مرحلتين، وهي كالتالي:

المرحلة الأولى: المراهقة المبكرة: تبدأ بالتغيرات الجسمية المرتبطة بالبلوغ في حوالي السنة الثانية عشرة، وتنتهي في حوالي سن السادسة عشرة (12- 16)، وتشمل الحلقة الثانية من التعليم الأساسي.

المرحلة الثانية: المراهقة المتأخرة: وتبدأ من حوالي الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر مع اكتمال التغيرات الجسمية، وتمتد حتى سن الرشد (21 عامًا) أو قبلها بعام أو عامين، وهي بذلك تشمل المرحلة الثانوية وقد تمتد حتى المرحلة الجامعية.

وإذا قيست تلك الفترة من وجهة النظر النفسية فهي تضم الأفراد الذين أنهوا أو اجتازوا مرحلة الطفولة.

ومن وجهة نظر علم الاجتماع فهي مرحلة تضم الأفراد الذين يحاولون اجتياز الفجوة بين المرحلتين: مرحلة الطفولة ومن أبرز سماتها الاعتماد على الآخرين، ثم مرحلة الرشد والتي يكون فيها الاستقلالية والذاتية.

ويعتقد ليفين Levien أنَّ ما يعيشه المراهق من بلبلة وحساسية حول مركزه يجعله يشعر بأنّه واقع في صراع كما يؤدي إلى التذبذب وإلى الحساسية الزائدة، ويمر عندئذ بفترة من عدم الاتزان أو الاستقرار فيتعذر معها إمكانية التنبؤ بسلوكه.

إنَّ تلك الفترة تعد مرحلة غامضة من حياة الفرد، حيث يعيب الفرد فيها التردد، والتداخل في الأدوار التي يعيشها، ويتعرض فيها الإنسان إلى صراعات متعددة داخلية وخارجية، فهي فترة متجددة ومستمرة في الترقي والصعود نحو الكمال الإنساني الرشيد تدريجيًّا.
وإذا كانت المراهقة تتحدد بدايتها بوضوح بالبلوغ الجنسي فإن نهايتها تتحدد ببلوغ السعي ثم الرشد، والسعي يتحدد طبقًا للظروف الاجتماعية والنفسية المتغيرة التي تواجه المراهق؛ لذلك لم يجد جمهور فقهاء المسلمين سنًّا معينة لبلوغ سن الشباب والسعي، أصبح متروكًا للظروف الاجتماعية والنفسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد