يعاني الكثير من الناس في وقتنا الحالي تشتتًا ذهنيًّا يؤدي إلى تداخل الأفكار الناتجة عن موضوعات مختلفة، فلا تثبت في الذهن فكرة إلا وزاحمت الاسترسال فيها أفكار لموضوعات أخرى، وعادة ما تكون الصلة بين هذه الموضوعات مفقودة تمامًا مما ينتج عنه ضعف التركيز والانتقال السريع بين المهام المختلفة دون إنهاء متقن لأي منها، وهو ما يعبر عن وجود مشكلة يجب تتبع أسبابها وآثارها النفسية والمجتمعية.

من خلال ملاحظة هذه الظاهرة يمكن رصد عددٍ من الأسباب التي تقف وراءها ومنها:

(1)- الإصابة في الصغر بمتلازمة فرط الحركة وتشتت الانتباه

نظرًا لأن متلازمة فرط الحركة وتشتت الانتباه لم تكن معروفة ومشخصة كحالة مرضية في كثير من قطاعات المجتمع، فلم يتم علاجها عند الكثير من الأطفال في وقتها إذ تم تفسيرها بأنها طاقة زائدة أو تعبير عن ذكاء مفرط مما أدى إلى استمرار بعض آثار هذه الحالة مع التقدم في السن؛ فنجد هؤلاء الأطفال وقد أصبحوا كبارًا يعانون من بعض تأثيراتها كقلة التركيز وكثرة النسيان.

(2)- الإصابة بالاكتئاب

تؤدي الضغوط النفسية للحياة العصرية السريعة وما يرتبط بها من التعرض إلى صراعات الحياة اليومية وكذلك الاطلاع على أخبار الصراعات المجتمعية والدولية، إلى تراكم المشاعر والأفكار السلبية التي تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب بمختلف درجاته، مع عدم التقدم لعلاجه نظرًا لطبيعة المجتمعات الشرقية التي لا تعترف في جزء كبير منها بالمرض النفسي ابتداءً وترده في كثير من الأحيان إلى قلة الرصيد الإيماني أو قلة الترفيه وعدم التغيير من نمط الحياة، وهو ما يعبر عن جزء من أسباب الاكتئاب وليس كله إذ إن الاكتئاب يصاحبه اختلال في كيمياء المخ مما يستلزم علاجًا دوائيًّا، بالإضافة إلى العلاج المعرفي والسلوكي الذي يناقش في مراحله المختلفة الأفكار التي تتعلق بتفسير الأحداث الحياتية ومشاكل ثبات نمط الحياة، وكذلك الأفكار المتعلقة بإيمان الفرد وعلاقته بربه وانعكاس ذلك على علاقته بمحيطه ومجتمعه.

(3)- نمط الحياة السريع والتطور التكنولوجي

فرضَ نمطُ الحياة السريع مع كثرة المهام المطلوبة وتطور تكنولوجيا الاتصالات تعودَ قيام الأشخاص بأكثر من مهمة في الوقت نفسه والاحتفاء بذلك، كالاستماع إلى البرامج مع القيام بالعمل، أو قيادة المركبات مع التحدث هاتفيًّا ومتابعة الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك تناول الطعام مع مشاهدة التلفاز، وغيرها من الصور الكثير, مما يؤدي إلى قيام الذهن بأكثر من عمل في الوقت نفسه وبالتالي تنقسم القدرة العقلية على أكثر من مهمة فيقل التركيز ويتشتت الذهن. ومع الاستمرار في هذا النمط المعيشي يتحول تعدد المهام في الوقت الواحد إلى أسلوب معيشة يرهق الذهن ويستهلك النفس حتى إن الهروب منه إلى الاستجمام يؤدي لا إراديًّا إلى تكرار النمط نفسه، فيستجم الكثيرون بمشاهدة التلفاز مع تصفح وسائل التواصل الاجتماعي والتفاعل مع أحداثها، أو الهروب إلى الأماكن المفتوحة مع الوسائل نفسها التي تضمن بقاءهم متصلين بالأحداث والمتطلبات الحياتية التي يهربون منها.

(4) – الرغبة في النجاح المجتمعي

تدفع الرغبة في تحقيق النجاح والترقي المجتمعي والحصول على القبول من مختلف الفئات إلى السعي في اتجاهات مختلفة في الوقت نفسه؛ فمن الانغماس في الإنتاج والعمل لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية التي تعكس وضعًا مجتمعيًّا مميزًا، إلى السعي وراء الدرجات العلمية التي تؤمن تقديرًا عمليًّا ومجتمعيًّا وإن لم يصاحبها اكتساب معارف حقيقية، إذ تكون جنبًا إلى جنب مع الكسب المادي مبررًا للتقدم المجتمعي وفرض الآراء في مختلف الموضوعات.

من استعراض الأسباب السابقة نجد أنها تنتهي إلى عامل مشترك هو إدمان القيام بأكثر من مهمة في الوقت نفسه، مما يستنفد القوى الذهنية. وفي ظل الاحتفاء بهذه القدرة على اعتبار أنها ميزة وليست مشكلة يجب حلها، يؤدي الاستسلام لها إلى التشتت وضعف التركيز، وبالتالي تكون أولى خطوات التغيير هي الفصل بين المهام حين أدائها فلم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد