صوت الشيخ رفعت في مساء ليلة من الليالي الأخيرة في رمضان، ومرض ألم بي فأقعدني عن صلاه التراويح، وأجبرني أن أبحر في سفينة الماضي لبرهة.. أخذتني أفكاري إلى رمضان أيام كان يأتي في شهور الصيف الحارة التي كنا نصحو فيها، وقد غادرت أمي المنزل لعملها، وتركتنا نحن الشياطين الصغار نرتع وحدنا.

وما أن يكتشف أحدنا أن علب اللبن الجاف الضخمة، قد احتلت مكانها المعتاد تحت سرير من الأسرة الحديدية أو الخشبية الضخمة، حتى نهرع جميعًا إلى مكان الحدث! لا تدري متى كانت أمي متعها الله بالصحة والعافية تخبز تلك الكميات الضخمة ونحن نيام. كنا نشاهدها تبدأ تحضير المكونات وعجن العجين في النهار، المفرمة الألومينيوم تتخذ مكانها بكبرياء على الطبلية الخشبية، (الطشت) المعدني الكبير والذي ضم لعائلته فيما بعد أطباقًا من البلاستيك.. هذه الأطباق ذات الألوان البهيجة لم تستخدم أبدًا في غسيل الملابس أو أي مهمة أخرى.. كانت مخصصة فقط للعجائن.. ما أن تنتهي أمي من مرحلة العجن، وتوسد العجينة النيئة ذات الرائحة القوية المثيرة لكل مشاعر الجوع في أطباقها الصاخبة الألوان، حتى تضعها في جانب كي تتخمر مغطاة بقطعة قماش، هي ذاتها نفس القطعة التي تغسلها بعناية وتحافظ عليها من العام للعام.

كنا نساعد في مراحل تقطيع العجين من باب اللعب ونتلقى التقريع إذا أفسدنا قطعة منها، ثم كبرنا فصارت المساعدة واجبًا لا مناص منه. بعد أن تتجمع الأجساد الصغيرة بجانب الكهف السحري، يتبرع أحدنا بالنزول إلى قاع الكهف، زاحفًا على يديه ورجليه مكورًا ظهره يتحاشى ألواح السرير الخشبية التي كانت بين الحين والآخر ترتطم به وكأنها تعاقبه على تسلله، يصل المتسلل الصغير إلى الكنز، فيحاول بيده الضعيفة أن يعالج غطاء العلبة المحكم حتى تنفتح فيناولنا القطع اللذيذة!

كنا صغارًا لم نبدأ الصيام بعد، أو ربما كان بعضنا يصوم تقليدًا للكبار، ولا يعتبر الحلوي أفسدت صيامه، نتذوق ما نجده، كعكًا أو (بيتي فور) أو (غريبة)، وقد كانت أمي تضع كل صنف في علب مميزة. هذه العلب المعدنية الضخمة لم يكن لها إلا مهمة واحدة طول العام: ألا وهي تخزين أصناف حلوى العيد. نعيد العلبة مكانها بسرعة، ونخرج من الغرفه عدوًا، فقد تكون أمي في الطريق أو على باب المنزل ويحدث ما لا يحمد عقباه.

عندما تعود الأم، نبدو في براءتنا المعهودة إلى أن نسمع صرخاتها تنهال بالتوبيخ علي من فعل تلك الفعلة الشنعاء، كنا لا ندري كيف تعرف سرنا إلى أن أعلمتنا عندما كبرنا، أنها كانت تجد بقايا المخبوزات متناثرة على الأرض، فتعرف أن كهفها قد تم غزوه!

أحيانًا كان صنع الكعك يتم بشكل تعاوني في أيام رمضان الأخيرة، إذ كانت البيوت تتحول إلى مناطق نفوذ خاصة بالسيدات وعلى الرجال البحث عن مأوى لهم، إذ لا يصح وجودهم حينما تتجمع النسوة في بيت ما لتبدأ اجراءت العجن والتقطيع.. كنا نحن الصغار نلهو في باحات المنازل أو في الشارع، ربما تشارك الفتيات الكبار في المراسم، والأولاد يجلبون المواد المطلوبة من البيوت.. ساعتها كانت الأطباق الكبيرة والصواني العملاقة تدور على كل بيت حسب دوره.. وقد تمتد التجمعات إلى ما بعد التراويح.

عشقي لمخبوزات العيد واقتحام كهوف الحلوي آن له أن ينتهي منذ بضعة سنوات، عندما اكتشفت إصابتي بحساسية الجلوتين، ذلك البروتين السحري الذي يعطي العجين طراوته ويساعده على التمدد. بقي من كعك العيد في مخيلتي، مذاقه المفرط في النعومة وليال مضيئة بضوء القمر كنا نقضيها في نقش الكعك.. أما الكعك الخالي من الجلوتين والذي استطعت صنعه بعد عناء، فليس له من صفات الكعك الحقيقي، إلا الشكل. أما المذاق، فهو شيء آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك