كيف يمكن أن تبدأ العلوم والآداب والفنون في بلادنا بتقديم خدمات حقيقية ومباشرة للعملية التعليمية والتربوية المطلوبة؟! وكيف يعمل الأدب والتعليم جنبًا إلى جنب؟ وكيف يمكن أن نسخر بعض ما لدينا لصالح سير عملية التعليم وقبلها التربية بالشكل السليم المحمي؟!

ربما لو كتبت عن ذلك في مذكراتي الشخصية لتطرقت بالحديث عن عدة شخصيات من المشاهير اصطدمت بهم مصادفة، ولكنها ليست تلك المصادفة البحتة.

وتزامنًا مع ذكرى ميلادها، فإن «سيلما لاغرلوف» هي واحدة من تلك الشخصيات الملهمة كمربية، فهي وإن كان يتم تقديرها لدى العالم كواحدة من الأدباء العظماء، وكأول امرأة تحصل على «نوبل» في الأدب -ورغم تركها مهنة التدريس مبكرًا لتتفرغ للكتابة- فكون العالم يقدر شخصية مثل هذه ككاتبة عظيمة فقط يجعلني أتمنى أن نعيد تقييمها وتقديرها كمربية ولو بعمل واحد مؤثر، وأن نذكرها بما قدمت من فن يخدم فكرة تبسيط العلوم للصغار؛ فالأمر يستحق وكم نحتاج كمربين من قدوات ونجوم وشموس هدى.

سيلما لاغرلوف

هي روائية سويدية ولدت في الـ20 من نوفمبر عام 1858، قامت بتعليم نفسها وتخرجت من كلية للمعلمين في ستوكهولم، وبدأت حياتها كمدرسة في بلدة لاند سكرونا بدءًا من عام 1885، وكانت باكورة أعمالها الأميز «ملحمة غوستا برلنغ» المنشورة عام 1891، وقررت بعد 10 سنوات قضتها في مهنة التدريس تركها مكرسة نفسها للأدب.

حصلت على جائزة «نوبل» التي تمنحها بلدها السويد، وذلك في مجال الأدب بعد حوالي 8 سنوات من تأسيسها، وأصبحت لاحقـًا من ضمن أعضاء الأكاديمية التي تمنح الجائزة، وفى عام 1928، حصلت على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة جريفس فالد الألمانية، توفيت لاغرلوف بالسكتة الدماغية في سنة 1940.

من أشهر أعمالها الأخرى «القديس»، «الروابط غير المرئية»، «عجائب المسيخ الدجال»، «ملك البرتغال»، «البيت العتيق» و«رحلة نيلز هولغرسونز الرائعة عبر السويد».

مؤلفاتها «رحلة نيلز هولغرسونز الرائعة عبر السويد».

مغامرات نيلز العجيبة عبر السويد

هي واحدة من أبرز روايات الكاتبة، كانت برأيي إحدى المحاولات الأنجح لتبسيط العلوم للطلاب كما يروى، نشرتها بدءًا من عام 1906، تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي، ولاحقـًا إلى مسلسل أنمي ياباني شهير كان باكورة إنتاج ستوديو بييروت Studio Pierrot عام 1980 في 52 حلقة.

رابط الحلقة الأولى من المسلسل مدبلجة للعربية.

تدور أحداث الرواية حول فتى مشاغب وسيئ السلوك يدعى «نيلز»، يمر بتجربة فريدة تغير سلوكه إلى الأفضل، ذات مرة يتعرض بالأذى للقزم العجوز الذي يغضب منه ويحوله إلى قزم في حجم عقلة الإصبع، يصبح نيلز بعدها قادرًا على فهم لغة الحيوانات والتواصل معهم، فيقوم بمغامرات مع جماعات الإوز الموجودة بمزرعتهم، والتي كان يسيء معاملتها في الماضي، وأثناء رحلته يتعرض لمواقف تغير منه وتحوله إلى فتى طيب محب للخير، وبات يساعد الطيور والحيوانات الضعيفة.

الأثر التربوي والتعليمي للكتاب

نرى كيف يبدأ الطفل المشاغب بالتحول إلى شخص مختلف تمامًا عما كان عليه ليبدأ في مساعدة الحيوانات التي طالما كان شغله الشاغل إيذاؤها، وذلك من خلال ما يتعرض له ويتفاعل معه من مواقف مؤثرة يعاينها بنفسه عن قرب.

وكانت سيلما قد بدأت في كتابة روايتها «مغامرات نيلز العجيب»، بتكليف من «الاتحاد الوطني للمدرّسين» في السويد بتأليف كتاب جغرافية للمدارس السويدية، بعد أن لاحظ الاتحاد وجود كراهية عامة لتلك المادة كون التلاميذ يواجهون صعوبة فيها بسبب عقمها وجفافها.

فأرسلوا رسالة لسيلما مفادها «نحن بحاجة ماسة إلى كتاب مدرسي يستمتع الأطفال بقراءته في حجرات الدراسة، ليثير اهتمامهم بجغرافية بلادهم كي يعرفوها أكثر ويحبوها».

فكان أن تحمّست للفكرة، وأمضت 3 سنوات بين القراءة والترحال في أنحاء السويد؛ ليكون كتابها شاملًا. وإن كان لاقى الأمر استهجانـًا في البداية من المجتمع والمتخصصين؛ لكون سيلما غير متخصصة بهذا المجال.

عبر رحلته مع الإوز في أراضي المملكة السويدية يتعرف «نيلز» على جغرافيا السويد وطبيعتها والعديد من فلكلورها وتاريخها؛ فقد كان نيلز وهو ممسك بذكر الإوز طائرًا مع السرب البري ينظر لأسفل ليشاهد الحقول الخضراء والبساتين والغابات. «كما أنه تعرف خلال رحلته على العديد من الحيوانات والطيور التي لم يشاهدها قبلًا، كما تعرف على الكثير من القلاع والكنائس ذات الأبراج العالية والبحيرات والأنهار وشاهد الطرق والسكك الحديدية ومرَّ بالعديد من الجزر والخلجان والمرتفعات والوديان والمدن والقرى، وتمتع بالطبيعة الخلاّبة لبلاده وعرف الكثير من تاريخها وعاداتها وحكاياتها الشعبية».

فهذا الكتاب هو في الأصل كتاب جغرافيا للتلاميذ كتب لغرض تعليمي، وتم اعتماده في المدارس السويدية فلاقى استحسانـًا فريدًا.

تبسيط العلوم دور تربوي أساسي

إن دورنا التربوي لصيق بنا، كل في مكانه والمربي الحقيقي -المتخصص بالذات- لا يبتعد كثيرًا عن دوره باختياره الإكمال في تخصص بعيد عن التدريس التقليدي؛ فسعة مجال التربية وشموليته يجعل من السهل لأي محب أن يسخر له ما يشاء من علم ومهارة، وأن يخدمه في أي تخصص، حتى وإن ابتعد ظاهريًا عن مفهوم التربية التقليدي كما يراها العموم اليوم، ولدي قائمة من النماذج التي خدمت قضية التربية في غير مجال التربية المعتاد، وددت لو أمكن استعراضها هنا باستفاضة.

تبسيط العلوم هو صورة من صور التدريس ويمكن تسميته ببساطة فنًّا؛ لأنه يشمل بداخله كل المحاولات لتوصيل المعلومات وحتى القيم بكل صورة مباشرة وغير مباشرة عبر ذلك المعلم الفنان.

لا أريد التفصيل في فكرة «تبسيط العلوم» الآن ولا مناقشة الآراء حولها والمواقف منها، ولكنها عمومًا من الموضوعات الجذابة في هذا المجال بالذات؛ لما تشمله من كسر للجفاف والانتفاع بالإبداع، وهو من الأشياء التي ترتبط بجوهر عمل المعلم وهو كونه ناقل للمعرفة ولعموميات التربية، وإن محاولة أي معلم لأداء دور متقن ليقتضي منه أن يصبح فنانًا وعالمًا بالضرورة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد