يعتبر الإشهار سمة من سمات العصر ويلعب دورًا هامًا في دفع عجلة الإنتاج، فالنمط الحالي للمجتمع الصناعي والاقتصادي يستلزم وفرة المعلومات وتدفقها وانسيابها، فالشركات الكبرى أصبحت تعتمد على الإشهار كإحدى ركائز المنافسة داخل السوق لأنه يعد إحدى الأدوات المشروعة لإثبات وجودها وتدعيم قدرتها على المنافسة.

فقد أدت التطورات العالمية في مجال تكنولوجيا الاتصال إلى تقدم هائل في التقنية الإعلانية والتي أضحت متحكمة في العملية الإنتاجية من حيث أنماط التسويق والعرض والاستهلاك، معتمدة في ذلك على خبراء متخصصين يضعون إستراتيجية قائمة على مبدأ “المتعة في التملك والتعطش إلى التسوق”.

ولا يخفى على الناس قوة الإشهار في عصرنا الحالي، فالهدف الأساسي من الإشهار أو الدعاية هو ترويض الناس على الاستهلاك وخلق حاجات وهمية للناس ودفعهم إلى إشباعها بوسائل لا تنسجم مع الواقع، والأخطر من هذا كله هو تركيز الدعاية في زمننا المعاصر على تمجيد “ثقافة الاستهلاك” لدى الناس عن طريق تصوير المستهلكين كأناس عصريين متحضرين يعيشون في سعادة باستهلاكهم لخدمات ومنتوجات معينة.

فالإشهار الحديث يقوم على مبدأ مهم ألا وهو الخداع، فهو يتحاشى مخاطبة العقل بل يخاطب الغرائز ويقوم بتحفيزها من أجل قيادة المستهلك لشراء خدماتها أو منتوجاتها وذلك عبر وسائل حديثة تستخدم فيها تقنيات متقدمة من علم النفس وعلم الاجتماع.

فبعد التخلي عن القواعد التجارية التقليدية التي كانت تحكم العلاقات التجارية بين الدول وفي ظل النظام العالمي الجديد دخلت الشركات متعددة الجنسيات بقوة حلبة الصراع والمنافسة بين من يملك مقومات العملية الإنتاجية ومن يفتقد إليها، وهنا تأثرت كافة الشرائح الاجتماعية في الدول المتلقية للسلع بازدياد الطلب الاستهلاكي وسيطرته عليها.

فالدعاية تبيع كل شيء إلى الجميع من دون تمييز كأن المجتمع الاستهلاكي مجتمع من دون طبقات، فمن أجل الترويج للمنتوجات تستعين الشركات التجارية بوكلاء إشهاريين متخصصين والذين يقومون بتجزئة الرسالة الإعلامية بالفواصل الإعلانية الحاملة لكل المغريات والمثيرة لكافة الغرائز، وبذلك تتعاظم فعالية التأثير دون وعى المستهلك بهذا التأثير، فتتضاعف السيطرة الإعلانية وتتغلغل ثقافة الاستهلاك لتتمكن من الناس.

بالتوازي مع التنافس التجاري بين الشركات التجارية الكبرى ظهر في الساحة الإعلامية ما يسمى بإستراتيجيات الإشهار التي تنبني أساسًا على القيام ببث دعاية إشهارية تحت إطار خطة منظمة طويلة المدى من أجل خلق “نمط عيش” أو “ثقافة استهلاك” لدى الناس تضمن مكانًا أساسيًّا للمنتوج المعروض في حياتنا اليومية لأجيال طويلة.

وتعتبر شركة “كوكاكولا” من أضخم الشركات العابرة للقارات في العالم فهي تقوم بتوزيع أزيد من ألف مليار عبوة في اليوم لخدمة ملياري شخص يوميًّا، ومن جانب آخر فهذه الشركة تقوم بتوزيع أزيد من 400 نوع من المشروبات على نطاق 200 بلد في العالم.

وبالتأكيد لا يمكن الحديث عن النجاح الهائل لهذه الشركة بدون وجود إستراتيجية مبتكرة للاستمرار في ريادتها للأسواق في مختلف بقاع العالم، فهذه الشركة تعتمد على إمبراطورية إعلامية هائلة تستطيع التأثير على الناس بتسويق نفس المنتوج الرئيسي مرارًا وتكرارًا، والذي لم تتغير تركيبته منذ قرن من الزمان ومع ذلك فقد استطاعت قنينة “كونتور” التي يعبأ فيها مشروب كوكاكولا الهيمنة وإخضاع ملايين الناس عبر العالم من دون أن يمل الناس منها.

فالأموال التي تنفقها شركة “كوكاكولا” على الدعاية والإعلان تتجاوز ميزانيات بعض الدول، فبرغم شهرتها الواسعة على الصعيد العالمي فكوكاكولا ما زالت تشهر منتوجاتها بصفة مستمرة رغم أن الناس يعرفونها جيدًا، إذ إن الهدف النهائي من دعايتها المستمرة ليس المنتوج نفسه بل هو غرس “ثقافة الكوكاكولا” في الأجيال الحالية والقادمة بدعايات مبتكرة لحجز مكان ثابت لقنينة كوكاكولا في صلب اهتمام المجتمع.

أما في الجانب الإشهاري فدعاية شركة “كوكاكولا” تعتمد على الخداع والتمويه عن طريق محاولة الخلط بين مواقف إنسانية وعاطفية وفطرية مع مواقف أخرى عرضية، كالربط بين حنان الأم وقنينة كوكاكولا بحيث يفهم أن كوكاكولا تقوم بدور تكميلي للأم من خلال مشروبها الغازي، هذا مع استثارة الانتماء الوطني لدى الناس عن طريق المتاجرة بالمنتخبات الرياضية بدعمها كمساند رسمي في المحافل الرياضية لكي تظهر الشركة كداعم للوطن ومدافعة عنه باعتبارها جزءًا من المجتمع، بالإضافة إلى دعم بعض المبادرات الاجتماعية والخيرية لتحسين صورتها أمام الناس والمجتمع المدني.

فسياسة دعم المبادرات الإنسانية والاجتماعية تعتبر في حد ذاتها سياسة تجارية رابحة حيث تهدف إلى تبييض وجه الشركة المادي التجاري الجشع بوجه إنساني أمام عامة الناس، فالحقيقة الخفية هي أن الشركة تقوم باستعمال سياسة “التكرار من أجل التعميم” بالقيام بتكرار دعايتها بصفة مستمرة بهدف فرض أيديولوجيتها الخاصة على الناس بطريقة غير أخلاقية، هذا ناهيك عن استغلال العاطفة الوطنية للناس لإظهارها بشكل إنساني وطني بعيدًا عن حقيقتها التجارية المادية الصرفة.

لكن الخطير في الأمر هو انتشار بعض التقنيات الإعلانية غير المشروعة التي أخذت منعطفًا خطيرًا أثار قلق المشرعين في العالم، فالأمر المزعج هو استخدام الوكلاء التجاريين تقنيات الخداع السمعي والبصري التي طُورت للتأثير على سلوك المستهلك دون إدراكه الواعي لذلك.

ففي الخمسينات برزت تجربة معروفة في مجال الرسائل الخفية المبطنة والتي قام بتأديتها باحث متخصص في مجال الدعاية والإشهار يدعى “جيمس فيكاري”، وفي سنة 1957 قام هذا الأخير باختيار سينما في أحد المدن الأمريكية حيث كان يعرض أحد الأفلام المشهورة وقام بعمل تعديل عليه عن طريق إدخال رسالتين خفيتين حملت العبارتين التاليتين “هل أنت عطشان؟.. اشرب كوكاكولا”، “هل أنت جائع؟.. كل الفشار”.

وكانت الرسائل الخفية تظهر بسرعة كبيرة لأجزاء من الثانية وكانت تتكرر باستمرار حيث لا يمكن للعين المجردة إدراكها، وعلى العكس من ذلك فهذه الرسائل يتم استقبالها من طرف العقل الباطن الذي يقوم بتوجيه الإنسان بطريقة لا إرادية بحيث تؤثر على الناس وتدفعهم لتنفيذ أمور غير إرادية.

فالمدهش في الأمر أن الباحث اكتشف خلال مراقبة عملية البيع في الاستراحة الخاصة لدار العرض أن نسبة مبيعات مشروب كوكاكولا والفشار قد ارتفع بشكل كبير بعد إدخال الرسائل الخفية المبطنة في السينما، ليتم بعد ذلك نشر نتائج التجربة وتعميم تقنية الرسائل الخفية على باقي المؤسسات الكبرى والشركات التجارية والإعلانية.

 

ويذكر أن هذه التقنية تطورت من الجانب المرئي لتشمل الجانب السمعي حيث إن أغلب أغاني “البوب” و”الروك” تحمل في طياتها رسائل مبطنة خفية تحمل رسائل خطيرة موجهة للعقل الباطن للتأثير على المستمع بطريقة لا إرادية.

فالموسيقى الحديثة تعتمد على علماء نفس متخصصين وشعراء وملحنين يضعون الموسيقى والكلمات بدقة متناهية ويشجعون على سماعها لإيصال رسائل يتقبلها العقل الباطن للمستمع، إما عن طريق تسجيل أصوات عالية جدًّا في الأسطوانات (حيث إن أثرها يكون كالبرمجة الدماغية التي توجب على العقل تنفيذ بعض الأمور) وإما عن طريق تسجيل رسائل خفية بطريقة معكوسة بحيث يتلقاها اللاوعي للمستمع بغير دراية منه ويمكن سماعها إذا تمت إدارة الأسطوانة بشكل معكوس، وعندئذٍ تسمع بوضوح الرسالة المطلوبة التي لا تستوعبها الحواس الخارجية بل تدخل في عمق العقل الباطن للسامع والذي يبدو عاجزًا عن التصدي لها، وهذا يشبه قراءة الكلمات المكتوبة عكسيًّا بواسطة المرآة، لكن الأهم من ذلك أن الأبحاث التي أجريت في هذا المجال بينت أن العقل الباطن بإمكانه أن يلتقط العبارة بشكل معكوس، ومن ثم فك شفرة ورموز الرسالة الصوتية.

وبالتالي فإن هذه التقنيات التي تم استخدامها في القرن الماضي التي يمكن وصفها بالتقنيات البدائية بالمقارنة مع التقنيات الإعلامية الموجودة حاليًا تظهر لنا خطورة التقنية الإعلامية في توجيهها للناس بطريقة لا إرادية، وهذا ما يقلقنا من تداعيتها الخطيرة على سلوك الإنسان عن طريق القيام بقيادة وتوجيه آراء الناس وفقًا لمصالح مادية لمؤسسات تجارية تبحث عن الأرباح ولو بطرق غير أخلاقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد