طلاب الثانوية الأزهرية .. طلاب الثانوية العامة .. تحية طيبة وبعد، فاسمحوا لي أن أحكي لكم قصة صغيرة حدثت معي أيام الثانوية؛ قد تحتاجونها اليوم، بل حتمًا سيحتاجها الكثير منكم.

كنت أحلم بدخول كلية اللغات والترجمة، قسم إسلامي، وكان أبي حفظه الله يريد لي كلية الدعوة الإسلامية، وكانت – ولا تزال – أعلى كلية شرعية تنسيقًا وتربية، بل هي عروس الكليات الشرعية، وكنت في سنوات الثانوية الأزهرية أهتم جدًا باللغة الإنجليزية، وبالفعل استطعت اجتياز مجموع كلية اللغات بفارق كبير، لكن درجات اللغة الإنجليزية فاقتني بـ4 درجات، فوقع اختياري على اختيار أبي لي؛ لأن هذا كان اتفاقًا بيننا؛ أن أضع رغبتي، ثم رغبته. وصراحة كنت كالخجلان من نفسي؛ إذ إني لم أدخل الكلية التي كنت أحلم بها منذ 3 سنوات على الأقل.

المهم، ذهبت إلى كلية الدعوة الإسلامية لأبدأ في نقل جدول المحاضرات .. وبينما أضع قدمي لأول مرة في الكلية، وجدت بجواري شابًا أكاد لا أنسى وجهه إلى الآن، بالرغم من أنها كانت المرة الأولى والأخيرة التي أراه فيها، ودار بيننا الحديث:

هو: حضرتك مستجد؟

أنا: نعم

أنا: حضرتك مستجد؟

هو: لا

أنا: طيب .. أي؟

هو: محول من كلية ثانية.

أنا: من أية كلية؟

هو: من كلية اللغات والترجمة قسم إسلامي.

وكانت هذه هي الصدمة التي أفاقتني وأذهبت عني الحزن الذي كنت أجده من فقد التخصص الذي كنت أطلبه، وقلت له أنت رسالة من الله لي، فالله يقول لي: كان من الممكن أن تفقد سنة واثنتين من عمرك، وأنت غير راض باختياري، وأعيدك إلى كلية الدعوة مرة أخرى، فعليك الآن أن تنظر أمامك، وأن تعرف أن اختياري لك هو أفضل اختيار.

يا شباب .. لم يمنعن ذلك أيضًا أن أرتقي إلى المكان الذي حلمت به، لكن بشكل جديد .. فذهبت إلى أحد معاهد اللغات، وهناك درست في سنتين مجموعة كبيرة من مستويات اللغة الإنجليزية .. وفي السنة الثالثة من الجامعة كانت حادثة الرسوم المسيئة للنبي – صلى الله عليه وسلم – وجاء التلفيزيون الفرنسي لإجراء حوار مع الطلاب، ولكن باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وكنت آنذاك مشتهرًا وسط زملائي بأني أدرس اللغات، فلما دخل أحد أساتذتي للبحث عن طالب يجيد الإنجليزية كنت أنا!

وكأن الله يقول لي ما تبحث عنه أنت يسهل عليك الوصول إليه فيما اخترته أنا، لقد عشت أجمل سنوات عمري، ثم أكملت مرحلة الدراسات العليا، وهنا تشكلت شخصيتي حين وجدت بغيتي في بعض أساتذتي، الثقافة، والفكر، والشخصية، غزارة المعلومات، والارتباط بالواقع.

بعد تخرجي عملت في إحدى الشركات المنتجة للمواد الإعلامية، وكانت تبث في قناة لها قد اشترت بثها، أو استأجرته من شركة أجنبية، وشاء الله أن تكون هذه (الكورسات) التي درستها سببًا في وجودي وسيطًا بين الموظفين وبين شركة البث (قدر المستطاع) وكانت أيضًا مرحلة جميلة.

وعندما أردت اختيار رسالة الماجستير دخلت على الأستاذ الدكتور أحمد ربيع رئيس قسم الثقافة الإسلامية فقال لي: أنا لا أسمح أن يكتب أحد عن الفكر الغربي إلا إذا كان عنده لغة .. فقلت له أني درست اللغة بشكل كذا وكذا .. فوافق. وشاء الله أن يجمع اللغة مرة أخرى مع الدعوة بشكل آخر.

الفائدة يا أصدقائي .. أن الله يختار لك وأنت تفكر، فإن كان من نصيبك طريق كنت تبتغي غيرها، فاعلم أنك يتحتم عليك أن تصنع لنفسك حلمًا وأملًا في هذا الطريق. وأن تعلم أنه المكان الصحيح لك. أشهد الله أني لو عدت إلى الثانوية ألف ألف مرة لاخترت نفس الكلية ونفس القسم ونفس الأساتذة … اختيار الله أفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك