أنحتاجُ رعاية أم تربية؟

الأسرةُ هي عماد المجتمع، إذا أحسنت بنائها وإشادتها فقد نجوت من السُّقوط، فبها ستبقى شامخًا عاليًا، وهي من أهم مقومات النهضةِ بهذه الأمة. لكن الأسرة الحسنة والفرد الحسن الفعال الذي سينهض بالأمة، لا يخلق ويتكون عبثًا! بل يكون بالتربية الحسنة فقد قيلَ «يمكن للأبناء أن يولدوا مؤدبين لو كان آباؤهم كذلك» وقد قيل أيضا «إن تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عامًا، وذلك بتربية أمه» والعكس صحيح.

فإذا أردت التغيير وكنت والدًا فأحسن تربية أبنائك وأنتِ كذلك، إذا كنت أخا أحسن التعامل مع إخوتك وذويك، وهكذا دواليك، فبالنسبة لي 80% أو أكثر مما يكون الفرد عليه في الكِبر ناتج عن الأشخاص الذين ربوه وعن البيئة التي ربيَ فيها في الصِّغر، يعني من شبَّ على شيء شابَ عليهِ! قلائلٌ من يتغيَّرون وبصعوبة، وسيبقوْن مُلقين للَّوم على أوليائهم في أغلب الأحيان.

والتربيةُ ليس لها علاقةٌ بالعِلم والتّعلم، فقد قال الغزالي: «ربما وجد في هذه الأمة المتعلمون والأغنياء وأصحاب القوة، ولكنهم لا يغنون بعلمهم ولا بمالهم ولا بقوتهم شيئًا عن أمتهم المحتاجة إليهم، والسبب أنهم لم يربوا تربية تبصرهم بحسن استغلال المواهب التي أفاءها الله عليهم، ولذلك تراق أموالهم ومواهبهم وقواهم على التراب». فمثلا جدتي أغلب ما تفعله من عادات حسنة وأقوال، تقول علَّمني أبي وقد كان أميًّا، لكنه زرع فيها مجموعة من القِيم اللهم بارك، وزرعتها في أبنائها، وتستمر الحياة.

ومن هنا ننتقل إلى نقطة أخرى وهي القُدوة، يعني لا يجب أن تأمُر ابنك فقط، بل يجب أن تُطبِق وهو ينقُل، فإذا كنت سيِّئا في تصرفاتِك وفي تعامُلك معه فماذا تنتظر منه! في مجتمعنا لا نعرف مهنة أحسن من تكميم أفواه الأطفال، إذا تكلم أسكتناه بطريقة بشِعة «اصمُت، زم، شش، لا تسأل …» إذا لم يسألك فمن يسأل إذا لم تخبِره أنت فمن سيخبرُه! ما زال صغيرا! لا يا حبيبي هو يكبُر ويكبُر إدراكه كلَّما علمته وأخبرته أكثر، إذا بكى الولد أعطيناه كل مُحَرم! لماذا لكي يصمت فقط!! ترسلينه للخارج كي تتمتعي بمسلسلك! أو لا توجد غرفة أخرى تتابعين المسلسل مع ابنتك!

صار الأطفال مُدمِنوا هواتف، وأجهزة إلكترونية! لماذا؟ لأنه لا بديل! لكي يتركك وشأنك وتتخلصي من استفساراته الكثيرة! يا أختي تريدين التخلص منه أعطه كتابًا أحسن، اطلبي منه عمل رسم، لا أدري! المهم فائدة! أيضا إذا رآك أنت مدخنًا، عاصيًا لوالديك، تتكلم كلامًا بذيئًا ولا تصلي وعصبي…، ورأى أمه منهمكة بالنميمة والتجمعات والخروج والدخول والشجار مع الجيران، ومشاهدة المسلسلات ووو، فماذا تنتظران من هذا الطفل البريء! أن يكون عالما مثلا؟! باللَّه عليكُم.

أيضًا من أسوأ أفعال الآباء.. سياسة المنع

اتركوهم، ولكن بحدود طبعا، فلو طبقت أُسُس التربية الحسنة لن تحتاج إلى مراقبته ومنعه، لأنك ستكون واثقا في منتوجك، فإذا كان الخضَّار تقيا ومستقيمًا ولا يعرِض إلا الحسن من فاكهته وخُضره وكان ينظفها أيضا! هل سيخاف من المراقبة التي تأتي على حين غفلة أم سيخاف من ردِّ فعل الزبائن؟!

فالأبناء المنحرفون هداهم الله وإياهم، هم أولئك الذين يراقبهم آباؤهم كثيرًا، ماذا فعلت؟ وأين ذهبت؟ وهذا عيب، لا تذهب عند فلان لا تتكلمي مع فلانة أريني هاتفك، لا تلبسي كذا، لا تخرجي، لا تتكلم لا لا لا لا … فتجدهم فعلوا كل مُنكر وعيب، وطبعا في السِّر، أما من وثق في نسله، فتجده لا يسأل حتى، بل يستودعهم الله فقط ولن تضيع ودائع الرب.

فبالله عليكَ وعليكِ اجعلوا أبنائكم «مشروع حياة»، قدِّموا لهم التربية وليس الرِّعاية فقط من أكل وشرب، اشعروا بعظمتهم فليسُوا بالشَّيء الهيِن أبدًا، فأنتم جُزءٌ من منظُومة، فبتربيتكم إما أن ترفعوها عاليًا أو تحبطوها لأسفل السافلين، فقد قال صلّى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

استشعروا نعمة الأولاد، فلم تتعبين 9 أشهر؟، كي ترسلي ابنك للشارع وكي تتركيه يفعل كل منكر؟!، علّميه كل ما هو مفيد وسيكون لك الأجر والفائدة كوني متأكدة! أنتم تفعلون الشر في أنفسكم ولستم مدركِين، يقول الله تعالى: «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، فالطَّبع يسرِق من الطّبع.

فيا أيتها الأم العزيزة ويا أيها الوالد العزيز، نحن في عصر السرعة والتكنولوجيا، لقد بات كل شيء سهل المنال والمراد، فبكبسة زر نتحصّل على كل ما نريد. الواجب عليكم سهل، اقرؤوا تثقفوا افهموا معنى التربية جيدا، اهضموا معنى كلمة أب وأم اعرفوا حقوقكم وواجباتكم، لا تحطموا الطفل المسكين وتقولوا وقضى ربك أن تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، أطيعوا أبناءكم أنتم أولا.

قال الرسول: «إِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَـيْكَ حَقًّا». كوني مثالية من أجله، فستحاسبين عن نفسك وعنه، ونفس الكلام للوالد، وستلقون جزائكم في الدنيا والآخرة . ونختم بمقولة: «احن سبعًا وشد سبعًا وصاحب سبعًا ثم اترك الحبل»، وصلاح الأمة من صلاح الأسرة، على الكل أن يجاهد من منبره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد