تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم، لا يختلف اثنان على أن القراءة مفتاح لكل العلوم والتقدم نحو مستقبل أفضل، لكن الشيء الذي لا يتم التنبه له هو أنها وليدة العادة والممارسة، والإنسان بطبيعته أسير عادات شتى، منها السيئ والحسن، وتكوين العادات أو التخلي عنها أمر يتطلب مرانًا وصبرًا شديدين، خاصة في فترة بناء العادة أو التخلي عنها، وسؤالنا فيما يتعلق بالقراءة هو كيف نجعلها روتينًا يوميًّا في حياتنا ما دامت وليدة العادة كما أسلفنا، يجيب المتخصصون في علم النفس عن هذا السؤال بأن أهم سن لغرس العادات للإنسان هو سن الطفولة بلا منازع، بل هو الذي يحدد شخصية الفرد، ويؤثر تأثيرًا جذريًّا في حياته في المستقبل، فمن الصعب جدًّا محو ذكريات الطفولة التي تظل راسخة في وجداننا ما حيينا، حتى لو طال بنا العمر؛ لذا فتكوين عادة القراءة عند الأطفال، وفي سن مبكر بالتحديد، يعني ببساطة صنع إنسان قارئ، وقارئ اليوم كما يقال هو قائد الغد.

يعد السن الرسمي للقراءة الذي تشير إليه كثير من الدراسات والأبحاث بشكل فعال هو ستة أشهر، حتى بات هذا الرقم من المسلمات عند كثير من المهتمين بهذا الشأن، وقليل منهم من قال دون ذلك، وقد خصصت كتابات مناسبة لكل سن على حدة، وذلك على شكل صور ومكعبات وقصص، حتى تحاكي عقلية الطفل حسب سنه، وقد اخترت أربع نصائح ذهبية، وددت مشاركتكم إياها لتكوين عادة القراءة للأطفال وهي كالآتي:

اقرأ لطفلك

في البدء وجب التنبيه على أن نقرأ للطفل قبل تعلمه القراءة، بل قبل دخوله رياض الأطفال بفترة طويلة، وهذه المسؤولية تقع على عاتق أولياء الأمور بالدرجة الأولى، قبل المدرسة؛ فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء أي مجتمع، حتى لو كان كثير من الآباء لم يقرأ لهم في طفولتهم، فمن واجبهم كسر هذا الحاجز حتى يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم، وذلك لما يعود في مصلحة فلذات أكبادهم، ولتكون القراءة عادة لديهم؛ فالأطفال بطبيعتهم يقلدون آباءهم، وفي المجتمعات المتقدمة مثلًا ديدن الآباء والأمهات القراءة لأطفالهم، ويعد هذا الأمر بدهي، بينما في مجتمعاتنا لا يحدث هذا إلا فيما ندر، ومدة القراءة كما ينصح بها الخبراء والمتخصصون هي 20 دقيقة يوميًّا، ويتوجب الصبر والاستمرارية بالقراءة ما استطعنا إليها سبيلًا، أو الالتزام بمبدأ قليل دائم خير من كثير منقطع، لترسيخ العادة وغرسها في وجدان أطفالنا.

تعلم مهارات السرد القصصي

كتب الطبيب «ميخائيل ميقالاردو» مقالًا وطرح السؤال التالي: هل تريد أن تربي قراء جيدين؟ إذن عليك أولًا أن تتعرف إلى مهارات السرد القصصي للأطفال؛ فلذلك أثر بالغ الفعالية على نمو أطفالك، وسأسرد مجموعة أفكار قد تساهم في تطوير مهارات السرد لأولياء الأمور، علمًا بأن هناك كتب مخصصة لهذا الغرض لمن أراد التبحر، وأيضًا بعض المكتبات تقدم دورات تدريبية لتنمية مهارات السرد القصصي «الحكاواتي» لأولياء الأمور تحت إشراف متخصصين.

  • الساعة الذهبية والمفضلة للقراءة للطفل هي قبل النوم بلحظات، لذلك يجب تهيئة الأجواء والتخلص من التلفاز وكل ما قد يشوش ذهنه ويقرأ له بصوت عالٍ مع تمرير إصبع السبابة للفت انتباهه نحو الكلمات والصور الموجودة في القصة ليزداد تركيزه واندماجه فيها.
  • محاكاة القصة وتقليد أصوات شخصياتها بطرق متباينة أمر لا بد منه؛ حتى يتسنى له الدخول في أجوائها بمشاعره فيحبها.
  • حبذا لو أشركت الدمى في تجسيد شخصيات القصة أثناء القص شريطة ألا تلهيه عن القصة ذاتها.
  • طرح أسئلة على الطفل متعلقة بالقصة وأحداثها لشد انتباهه فيها وتدريب واستكشاف مدى إدراكه لها.
  • لا بأس من تكرار القصص بين الفينة والأخرى؛ فالأطفال يحبون ذلك لأنهم يشعرون بثقة بأنفسهم لسماعهم شيء سمعوا به من قبل، وهذا يساعدهم على تدريب حافظتهم ولا ينصح تكرارها إلا في وقت مناسب؛ حتى لا ينفروا ويأخذوا فكرة سيئة عن القراءة بشكل عام.

اختيار القصة المناسبة

قد يسأل سائل لماذا القصة؟ والإجابة تكمن لكون عقليته قصصية بطبيعتها، فحتى الكتب العلمية للأطفال تكتب بقالب قصصي بحت، وهذا الأسلوب لا ينطبق على الصغار، فحسب بل حتى على الكبار فالقرآن الكريم مثلًا ثلثه قصة لكون الأسلوب القصصي مرغوب لوجود التشويق والإثارة فيه، وهي عناصر لا تكون في المواد العلمية الجافة، والتي قد ينفر منها الكبار فما بالكم بالأطفال الصغار أما عن اختيار القصة المناسبة للطفل فهو أمر لا يستهان به بالمطلق؛ لأنه قد يكون سببًا في كره الأطفال للقراءة إذا لم نحسن الاختيار المناسب؛ لذا لا بد من استشارة أمين المكتبة بهذا الشأن أو البحث في الشبكة العنكبوتية عما يتناسب مع سن أطفالنا؛ لأن لكل سن تكتب قصص مخصصة تحاكي عقليته فقط، ففي دراسة أمريكية مثلًا لوحظ أن الرضع يحبون القصص التي تتجسد شخصياتها بالحيوانات كالقطة، والأسد، والأرنب، أما عند بلوغهم سن المراهقة يفضل الذكور منهم قصص المغامرات والتشويق، بينما الإناث تفضلن القصص العاطفية، وهناك مجهودات عربية خجولة جدًّا ترعى هذا الشيء، لكنها قليلة مقارنة بالأمم الأخرى، ونتمنى أن يحرز العرب تقدمًا ملموسًا في هذا المجال في القريب العاجل لضرورته القصوى، وهناك ترجمات لقصص غربية وشرقية وهي بكل أسف شحيحة جدًّا، مقارنه بترجمات أمم أخرى، وتكمن أهميتها الحقيقية في مراعاتها عقلية الطفل حسب سنه، ومن ضمن النصائح في ترغيب الأطفال في القراءة اختيار قصص تحاكي أفلام الكرتون التي يحبون مشاهدتها، فهناك الكثير منها كساندريلا، والسندباد، وسالي وغيرها من القديم والجديد، فقصص كهذه تحفزهم وبشدة في الدخول إلى عالم القراءة وتشد انتباههم، كما لا ننسى أن نترك المجال للأطفال لاختيار قراءاتهم بأنفسهم لكن تحت إشرافنا، فنحن بصدد تكوين عادة القراءة لديهم والإنسان بطبيعته مجبول على قراءة ما يحب.

أنشئ مكتبة خاصة لطفلك

طبيعة الأطفال حب التملك والخصوصية؛ لذا يفضل إنشاء مكتبة خاصه بهم، وحبذا لو خصص جزء منها للدمى؛ فإشراك المتعة بالقراءة شيء محفز لتحبيبهم عليها، وكذلك ينصح بشراء القصص مع مقتنياتهم الخاصة سويًّا، فكما يزور الطفل متجر الملابس والدمى، كذلك لا بد من زيارته للمكتبة في طفولته، حتى تكون مكانًا مألوفًا بالنسبة له منذ نعومة أظافره، وبعض المكتبات تقدم خدمات خاصة للأطفال، علينا ألا نبخل في إشراكهم فيها إن أمكن، فمشاركة تجاربهم مع أقرانهم يساهم بشكل كبير على حبهم للكتب ويعلقهم بالمكتبة أكثر.

في الختام

القراءة ليست ترفًا أو من مقتنياتنا الكمالية التي يمكن الاستغناء عنها في أي وقت، بل هي ضرورة مثل ضرورة المأكل والمشرب والمسكن في حياتنا، وهي أيضًا ليست عادة نكتسبها فحسب، بل عبادة من أسمى العبادات في ديننا الإسلامي الحنيف، والأرقام الصادرة من عدة هيئات معنية بالأمر في الوطن العربي سواء كانت للكبار أم للصغار تفيد بوجود مجاعة عربية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى في نسب القراءة، ناهيكم عن الأمية المتفشية، ولن أتفنن في بسطها للقارئ الكريم كما يفعل البعض حتى أزيد من تحطيم الناس، وسأكتفي بوصفها فقط بالمجاعة! لكن الأمل يبقى موجودًا ما دمنا نشعر بوجود المشكلة ونتألم لأجلها، وعلى الجميع إدراك أن جذور المشكلة تنطلق من سن الطفولة، والذين هم عتاد المستقبل، وهذا الواجب يقع على عاتقنا جميعًا دون استثناء، ابتداء من الأسرة وانتهاء بالأمة فالقراءة مسؤولية الجميع، وكيف بنا التشدق بين الأمم بأننا أمة اقرأ، ونستدل بالقرآن ونحن في الأساس لا نقرأ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد