الفصل الإداري بين الدعوي والسياسي لا يحتاج إلى إذن، أو إعلان، أو ضجة؛ فهو أمر طبيعي؛ من باب التخصص. وهو قائم بالفعل؛ إذ إن اختلاف مواهب الناس، وقدراتهم، تفرض عليهم تعدد مجالات عملهم، وهذا من حكمة رب العالمين؛ ليسدوا خلل الأمة، ويغطوا مجالات العمل، والتكليف الشرعي.

إنما الذي يُحدث ضجة، ويغازل به الغرب، والإقليم، والعلمانيين هو ما يوهم بالتخلي عن الثوابت التي قامت عليها الحركات الإسلامية المعاصرة منذ بداية محاولات البعث الإسلامي في العصر الحديث.

بُعد عقدي

وقبل أن نوضح خطورة الأمر، لابد من ثابت عقدي يوضح حدود المرونة وضابط التكيف؛ فالإسلام هو «الاستسلام لله وحده»، ولا يتحقق الاستسلام، إلا بقبول الأحكام، وهو التزام الشريعة، كمصدر تشريعي، ملزم، ووحيد، لا يقبل الشركة، وإنما يُجتهد فيما يُستجد وفق معطياته. فإن تعددت مصادر التشريع تعددت وجهة الاستسلام والدينونة، وانتقض معنى الإسلام من أصله.

وأصل الإيمان هو تصديق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبول حكمه، وحكم الله ورسوله نزل:

أولًا: لبيان التعبدات على وجه فردي، وعلى وجه جماعي.

ثانيًا: نزل ـ أيضًا ـ لإقامة القسط بين الناس، وتنظيم الحياة وفقه: الحياة الخاصة، والعامة للمجتمع، وفي جميع مجالات الحياة، وبلا استثناء.

يقول «الإمام الشاطبي» إن من خصائص الشريعة: «العموم والاطراد؛ فلذلك جرت الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين على الإطلاق، وإن كانت آحادها الخاصة لا تتناهى؛ فلا عمل يُفرض ولا حركة ولا سكون يُدعى، إلا والشريعة عليه حاكمة» (الموافقات (1/ 108)

فما يفرضه الإسلام والإيمان خضوع جميع مجالات الحياة للخطاب الشرعي، وهذا يناقض العلمانية مناقضة جذرية.

الهوية تمام قبول لشريعة

كما أنه لا يتم قبول الشريعة إلا بالانتماء العقدي الإسلامي؛ فالأقطار المختلفة يشملها الولاء الإسلامي، ويوجب بينها الوحدة، والتعاون، ويحرم موالاة الكفار، وظاهرتهم، ومناصرتهم، ضد أحد أقطار المسلمين. وخصوصية كل قطر يحتفظ بها في إطار الولاء الإسلامي العام الذي يضع ثوابت عقدية مشتركة، ويترك مساحات للتنوع والثراء.

وهذا الولاء الإسلامي، الذي هو أساس لوحدة الأمة، يناقض العلمانية، التي تجعل الانتماء القُطري، مناقضًا للدين، ويجعلون الانتماء للإسلام خيانة للوطن! في حين ينسون البعد القُطري في عداء الإسلام، وإسقاط الثورات، والتآمر على حرية الشعوب، بل ويتكارمون بالأموال الحرام؛ لذبح الأمة!

نبت غريب

والعلمانية نبت من خارج الأمة، لا من بيئتها، ولا من تاريخها، ولا من إفراز المجتمع، بل هو نظام غريب فرضه العدو المستعمر، بعد تربية نخبة متغربة، تلبس جلدتنا، وتبث سمومها، وحشوها مناقض، وانتماؤها لعدونا؛ تتكلم باسمه، وتهتف بعناوينه، في ببغاوية لا تنتهي. مصطلحاتها، بل مشاكلها أيضا، والتي تفترضها، هي مشكل بيئة أخرى، ومصطلحات بيئة أخرى.

بين التحديث والتغريب

والنمط الغربي الذي اختاره للحكم ليس نمطًا عالميًا، بل هو نمط غربي، أفرزته ظروفه، ومراحل تفاعلاته التاريخية، ولا يفلح المقلد؛ إذ إنه، مع المخالفة العقدية التي تمنع التوفيق؛ فالغرب يحتفظ بعدائه التاريخي، وهو يفرض وجود الكيان الصهيوني؛ خادمًا له، وقاعدة متقدمة، ويضمن كلاهما للآخر بقاء المنطقة في حالة تخلف؛ وبالتالي فلن يسمح لك أحد بالتقدم، ولا بالحرية، ولا بالديمقراطية المزعومة، بما تحتوي من حريات في المجال السياسي، وإنما تستخدمها لمحاربة العقيدة الإسلامية، وثوابتها تحت شعار الحرية، ثم يصادرونها في المجال السياسي، ويفرضون الاستبداد، ثم يقولون للناس «إن هذا الاستبداد الذي تعانونه، هو من بقايا تمسككم بالإسلام»!

ومن يتشبه بغيره لن يصل إلى شيء؛ مادام قد ترك هويته، وشريعته، وتاريخه، ولم يفرق بين ما يجب أن يحتفظ به من شريعة وهوية، وبين ما يجب أن يأخذه من الغرب والشرق، من العلم والتقنية والتحديث؛ فثمة فرق هائل وحاسم بين التحديث المطلوب، والتغريب المرفوض.

وإن كان ثمة خطأ وحرمان تاريخي من الشورى والحرية السياسية في حياتنا السياسية، فالعيب ليس في هذا الدين، الذي يعتبر الحرية فريضة، والعزة إحدى الواجبات، وتداول الرأي ثراءً فكريًا، مورس منذ عهد النبوة، والعهد الراشد، وفي فترات أخرى، إنما العيب التاريخي في الاستسلام ـ من الأمة ومن الفقهاء المبرِرين ـ  للتغلب والاستبداد، وعدم العودة إلى الصورة الراشدة في الممارسة المؤسسية في الاختيار والنقد والتقويم، وعدم الحراك لانتزاع هذه الحقوق في إطار الإسلام وشريعته الكريمة، وهويتنا العميقة، وثوابتنا. والعيب الآخر الفادح هو عدم التحديث، وتوطين التكنولوجيا، والعلوم، في إطار ثوابت هذه الأمة أيضًا.

مسألة صراع

بينما الإسلام هو التاريخ: هو تاريخ الأنبياء، وهو محور المواجهة بين البشرية، في حالة الانحراف، وبين رسلها، وما تحمله من قيم، ومن عقائد.

منذ قرنين من الزمان، والغرب يحتل المنطقة، وتتبادل قواه المختلفة احتلال أرضنا، بداية من «البرتغاليين» ثم «الأسبان» ثم «الهولنديين» إلى «فرنسا» و«إنجلترا» إلى «الأمريكيين» و«الروس».

لم يذهب إليهم المسلمون في حروب أو فتح؛ بل ينطلقون من بلادهم، ويحشدون أبناءهم وأموالهم، ويخططون «استراتيجياتهم» على أساس السيطرة والهيمنة، والتفكير في مجرد  الخروج عنها يعتبر تمردًا على الهيمنة، ويستلزم حروبًا لا يخفى فيها البعد الديني والروح الصليبية التاريخية، معبأة ومحملة بالنهم الرأسمالي الغربي.

ولهذا هم يفرضون البعد العقدي والفكري على الإعلام والتعليم في سياق هذه الهيمنة، ولذا فتغيير الخطاب الديني ليس نداءً داخليًا من العلمانيين (الوطنيين!) بل هو مفروض غربي على المتخلفين.

ولهذا فمن يتصدى لنهضة حقيقية، ومن يريد الخروج من التبعية، فيجب أن يعلم، ويهيئ نفسه للصراع؛ فلن تحصل على شيء، إلا انتزاعًا وفرضًا للأمر الواقع، وإلا ستخرج من التاريخ.

وليعلم كذلك، أنه يستأنف طريق الرسل من قبل، لفرض وجود الإسلام سياسيًا وحضاريًا بنظامه الاقتصادي، وتوجهه الإعلامي، وقيمه وأخلاقه.

وفي الصراع تكون الضغوط الهائلة، التي نراها تمارس على المسلمين، وحركات البعث الإسلامي، على مستوى عالمي، تتجرد فيه المواجهة من القيم والأخلاق والإنسانية، حتى إنها لتُلبس المظلوم المقهور، بل المقتول ثوب الجاني، وتنظم المذابح بانتظام على أقطار هذه الأمة. ولا يزال يقودها المستبدون والنخبة الساقطة وإعلام الدجال.

ولقد مورس سابقًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغوطًا هائلة، حتى نزل قوله تعالى «وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلًا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا، إذا لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا».

إن الإنجاز المطلوب من حركات التحرر الإسلامي والوطني، ليس أن تنجح في إرضاء المستبدين، وأن يمدحها المتلونون من النخبة أو المأجورون من الإعلاميين، حيث يقبع خلفهم السيد الثري «رجل الأعمال» أو السيد السلطوي «رجل الأمن»؛ صاحبا الكلمة الحقيقية.

في المعركة الحضارية؛ الطويلة، والشرسة، يجب أن تحتفظ الحركات المواجهة بثوابت عقدية؛ تعصمها من الزلل، وتمنعها من التنازل، وتضع لها حدودًا وقيودًا، ويعلم أن عندها «إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا».

إن التوافق لا يصل إلى درجة تكريم «راقصة باليه مائي»، ووضع المعصية موضع التكريم، وإباحة الشذوذ، والإعلان عن تغيير محتوى الإسلام؛ ليرضى عنه الغرب؛ إذ عندما تتنازل، سيطمع في المزيد؛ حتى تترك ما تبقى في يديك. علاوة على الخطر العقدي القاتل.

فرصة أخيرة

إن الملايين من الناس، قد يبدو للناظر، أنها تخلت وسارت خلف عدوها وجازرها، وأنها تنكرت لأبنائها، ولكن هذا عابر، وهم يحتاجون دائمًا ـ والأجيال التالية كذلك ـ إلى نقاط ثابتة ومضيئة، متمثلة في رموز تشرئب لها الأعناق، يعرف بها الناس معالم الطريق، كلما تاهت بهم المسالك، وتعددت بهم الدروب.

لقد تغير التاريخ بثبات رسول الله في الغار؛ «إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا»، وبثبات «أبي بكر» «يوم الردة»؛ إذ كاد الإسلام ينتهي، وبثبات «أحمد بن حنبل» يوم المحنة، وثبات «ابن تيمية» لنشر السنة، ومواجهته للمتكلمين والفلاسفة والباطنية والتتر وغيرهم. و«البنا وقطب» وإخوانهما في الجولة المتأخرة.

لن يُحدث المتنازلون معجزة إذ يخونون؛ فقد خان الكثير والكثير، وكان أن (نبذناهم في اليم) وانتهى دورهم؛ ليلحقوا بالخبيث ويُركموا جميعًا. أما منارات الهدى، فلا تولد، ولا تثبت، إلا تحت مطارق وفتن وضغوط. وآلام اليوم آلام شريفة، ولكن الثمرة عظيمة في مسيرة التاريخ، ومن أجل حفظ الطريق للأجيال القادمة.

ولتكن النصيحة هي ما نصح به أئمة الهدى، وسابقوا هذا الطريق، أن يكون هِجّيرى المؤمن «لا حول ولا قوة إلا بالله».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدعوي
عرض التعليقات
تحميل المزيد