دعاة خير لا دعاة فتنة

«إن الدعوة اليوم لتمر بأحداث جسام لها أثرها في مستقبل الدعوة، وفي مستقبل الأجيال القادمة. وإذا كان من حقكم على قيادتكم أن تبصركم وتوجهكم، فإن من حق الدعوة عليكم أن تأخذوا أنفسكم بآدابها، وأن تقيدوا أنفسكم بحدودها، وأن تخضعوا تفكيركم لسلطانها، فلا تفكروا إلا من خلال الإسلام، ولا تعملوا إلا في حدود الإسلام، فان فعلتم ذلك ربطتم أنفسكم بكتاب ربكم، وسنة نبيكم، واستكملتم إيمانكم، وما يستكمل المؤمن إيمانه حتى يقول لله، ويعمل لله في رضاه وغضبه، وحبه وبغضه، وفي جميع حالاته. «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان». أيها الإخوان الكرام: لسنا بغاة، فإن الإسلام يحرم علينا البغي، ولسنا دعاة فتنة، فإنها أشد من القتل، وما ينبغي للمؤمن أن يكون فتانًا ولا لعانًا، ولكنا نسير على آثار محمد، عليه الصلاة والسلام، ندعو إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وندرأ بالحسنة السيئة، وندفع بالتي هي أحسن، في أدب المؤمن وصبره، ويقينه بنصر ربه، لقد حُلَت جماعة الإخوان المسلمين مرة ثانية، واعتقل الكثيرون من أعضائها، ونسبت إليهم التهم، وخاضت فيهم الصحف، وإنه لابتلاء جديد، وامتحان يبشر برضاء الله عن هذه الجماعة، فإن سنة الله في الجماعات، أن يمحصها، وأن يميز خبيثها من طيبها: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ». فلنقابل البلاء بالصبر، ولنعلم أنه لن يضر الدعوة أن تغلق دورها وتعطل منابرها، ما دام كل منكم جعل من قلبه دارًا، ومن نفسه حصنًا، ومن كان قادرًا على القول فكل له منبر، وستظل الدعوة بإذن الله حية قوية، لها اعتبارها ولها كرامتها ما دمتم متماسكين، مترابطين، متحابين، صابرين، محتسبين. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

كلمات تكتب بماء الذهب، وجهها العالم العامل، والقاضي الفقيه والمجاهد الشهيد، عبد القادر عودة، إلى كل الإخوان المسلمين، وفي القلب منهم الشباب. في ظروف تشبه تمامًا تلك الظروف التي تمر بها دعوتنا في هذه الأيام، من حل للجماعة، واعتقال أبنائها، ومصادرة أموالها، وإعدام لقادتها ورجالها، وكيل الاتهامات لها، يوجه لهم هذه الكلمات في تلك الظروف وهو القادر على أن يوجه طاقاتهم للعنف والثأر ممن ظلموهم وحاربوهم في أرزاقهم، وساموهم سوء العذاب، وفعلوا بهم ما يفعله المنقلب وزبانيته بنا في هذه الأيام، وهو ذلك الرجل المحبوب من كل إخوانه، والذي يحظى بثقتهم واحترامهم وتقديرهم، وبإشارة منه يستطيع أن يحولهم إلى كتلة من اللهب تحرق كل من يقف أمامها أو يعترض طريقها، ولعل هذا هو ما دفع عبد الناصر لأن ينفذ فيه حكم الاعدام، رغم توسط الكثيرين من العلماء والسياسيين ورؤساء الدول، حقدًا منه على المجاهد الشهيد، يوم أن رآه يقف بجوار الرئيس محمد نجيب في شرفة قصر عابدين، ليطلب منه الأخير أن يصرف الجموع الغفيرة المحتشدة في الميدان الفسيح، وبإشارة منه انصرف الناس بكل طاعة وهدوء ونظام، فأسرها عبد الناصر في نفسه، وأدرك خطورة الرجل فقرر التخلص منه!

إن هذه الكلمات التي قالها الشهيد أيها الأحرار ليست رأيًا شخصيًّا يمثل قائله وفقط، وقد تتغير بتغير الظروف، ولكنها مبادئ تحكم جماعتكم بما فهمته من قرآن ربكم وسنة نبيكم، وسير الصالحين من أمتكم، فأبدًا لن ندعو إلى الله إلا بالحكمة والموعظة الحسنة، وأبدًا لن نكون دعاة فتنة، وأبدًا لن نبغي ولن نجور، وأبدًا لن نقابل البلاء إلا بالصبر، حسبة لله ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه، ولأننا نعلم جيدًا طبيعة المرحلة التي نمر بها، وطبيعة الظروف التي تحيط بدعوتنا، وندرك تمامًا ما يدبره الأعداء لنا، سيظل شعارنا: «سلميتنا أقوى من رصاصهم»، متسلحين بإيماننا، متمترسين بإخوتنا، متحصنين بدعوتنا خلف قيادتنا حتى يأتي نصر الله. ويقولون متى هو؟ «قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد