خرج علينا في الأيام الأخيرة دعاة كثر على أبواب التعدد، يصفونه بأجمل الأوصاف، ويبيضون وجهه أيًا كانت الظروف، ويدعون إليه صباح مساء، يخترعون له مناقب، ليست فيه، بل إن الأمر يبلغ بهم أن يصوروا مثالبه مناقبًا، ولا يقفون عند هذا الحد، بل إن بعضهم قد وصف من لم يستجب لنداءاتهم بالزواج من أخرى، تارة بالزوج المحتكَر من امرأته، وتارة بالزوج الخائف من زوجته المسلطة عليه، وتارة بفاقد الرجولة الضعيف الشخصية المغلوب على أمره.

أما المرأة التي لم يعدد زوجها عليها، أو التي تبدي، أو تلمح إلى عدم قبولها للأمر، وكرهها له، فحدث ولا حرج، في كل الأوصاف والشتائم التي تكال لها: فعدا وصفها بالاحتكار، والأنانية؛ حيث يتهمونها بأنها لا تحب لغيرها من بنات جنسها أن يحظين بما حظيت هي به من حب واستقرار على حد قولهم، هي في نظرهم رافضة لشرع الله، لم ترتض لنفسها ما ارتضاه لها الله من أحكام، ويصرح آخرون ـ كذلك ـ أنه لن تعرف معدن تدين المرأة، إلا عند الزواج عليها أخرى؛ إذ يزعم هؤلاء أن هذا هو المحك الحقيقي لتعرف المسلمة التقية النقية من «المتأسلمة»؛ فميزان التدين عندهم يتجلى في عدد «الزغاريد» التي ستطلقها؛ حين يخبرها زوجها أنه تزوج عليها.

بل زعم بعضهم أن أجر إحياء التعدد، وتطبيقه في مجتمعنا المعاصر، سيكون أكبر؛ لأنه أصبح من الأحكام المغيبة، ومطبقه هو في عداد الغرباء.

فضلًا عن الكثير من المغالطات والدعاوى، مثل: أنه الحل السحري لمشكل «العنوسة»، وفطرة عند الرجل، قد فطره الله عليها، لا يستطيع الاستغناء عنها، وأن المعدد هو خير في حاله، وحال أسرته، من المفرد المكتفي بواحدة، وأن التعدد خير كله، لا يكاد يتطرق إليه الشر من جهة، أو وجه من الأوجه، وأنه لا يمثل ضررًا، أو أذى للمرأة، بحال من الأحوال، وزعمهم أن التعدد سنة شرعية وكونية، فضلًا عن نشر معلومات مغلوطة تتعلق بأعداد النساء والرجال، وغيرها من المعطيات الخاطئة.

وفي هذا المقال الذي قسمناه على أجزاء، سنحاول دحض هذا الطرح، وعرض أوجه الخلل الشرعي والمنطقي فيه، وتعريته من المغالطات والأوهام التي يحيطونه بها؛ في محاولة لتصحيح مكامن الخطأ في هذا الخطاب، ومحاولة توضيح موقع التعدد في الشرع الإسلامي بعيدًا عن المغالاة فيه.

بين الفرائض والمباحات

إن أكبر مشكل في هذا الخطاب هو احتواؤه على منطق مغلوط؛ يحاول تصوير المباحات على أنها فرائض، ويحاول المساواة بينها؛ فيعتبر التعدد مفروضًا من الله، ويقارنه بالصلاة والزكاة والحجاب، والحقيقة غير ذلك تمامًا؛ فالتعدد ما هو، إلا مباح من المباحات، بل من المباحات المضيقة، والتي لم يدع الإسلام للتوسع فيه، بل جاء في ظرفية كان العرب يتوسعون في الزواج؛ حتى تجد الرجل تزوج العشرة والعشرين، غير ما يملك من الإماء، فحصر الإسلام المباح في أربع، ثم حث على الإفراد؛ بالتخويف من التعدد.

وقد أبيح التعدد أساسًا لحل مشكلة اليتامى، وإباحته متعلقة بحل مشكلة اجتماعية هو وجود الأيتام، الذين لا يجدون من يعيلهم، فيكون الحل بالزواج من أمهاتهم، والآية التي أباحته جاءت كجواب شرط، معللة سبب الإباحة بالإقساط في اليتامى؛ إذ يقول الله عز وجل «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [1]».

وفضلًا عن العلة وراء الإباحة المتعلقة بالإقساط في اليتامى، فإن مجرد الخوف من عدم العدل موجب للإفراد، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. ثم يزيد التأكيد على التخويف بأنه لا إمكانية للعدل مطلقًا، ولو حرص الإنسان على ذلك في قوله تعالى «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ»[2] أفلا يكفي هذا الأمر لنعلم أن الله ـ عز وجل ـ قد خوف من الإقدام على هذا الأمر ليأتي من يصوره على أنه فريضة؟

فكيف يأتي من يغالي، باعتبار أن من يعدد اليوم سيكون له أجر أكبر؛ لأنه أحيا شريعة غائبة، ويعتبره في ذلك من الغرباء، وهل سمعنا يومًا بشيء اسمه إحياء المباح؟ والمعروف أنه لا أهمية شرعية، ولا أجر يحتسب على إحياء المباح؛ بل الأمر مقتصر على إحياء الفرائض والمقاصد الشرعية، فما بالك بإحياء مباح قد خوف منه الشارع الحكيم؟ صحيح أنه أعطاك حرية فعله، لكن هذا لا يعني أنه يشجعك عليه، بل إنه كاد ينهى عنه بشكل غير مباشر.

ولنضرب مثلًا لأب مع ابنه، ولله المثل الأعلى، قد جاء يستشيره أي السبل يسلك، فقال له الأب: يا بني؛ هناك طريقان، لك الحرية في أن تذهب في أي الطريقين تشاء، ولكن هذه الطريق وعرة، ولا يمكنك أبدًا أن تقتحمها، دون السقوط، حتى لو حرصت، فإذا خفت السقوط، فلا تسلكها، واسلك الأخرى. نعم هو أعطاه حرية الاختيار بينهما وأباح له سلوك الطريق الوعرة، لكن حذره منها، ولم يشجعه عليها. أما الطريق الوعرة فهي التعدد، والطريق الميسرة هي الإفراد، وأما السقوط فهو عدم العدل، الذي يأتي صاحبه مائلًا يوم القيامة، كما حدث بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم يأتي بعد ذلك من يتكلم عن التعدد بنفس الإحياء والغرباء القابضين على الجمر، ويدعي أن من يحييه في هذا الزمن سيكون له أجر أكبر؛ لأنه شريعة منسية، كأنما الحديث هو عن إحياء فريضة غائبة، وليس عن مباح مقيد، أهناك غلو أكثر من هذا؟

بل تجدهم يمارسون التغليط، والإيهام، بقولهم إن التعدد أمر الله، وشريعة الله، وقريبًا سيخرج علينا من يقول إن الخبز شريعة الله وأمره، فإذا سألته عن قوله، قال لك: ألم يحله الله؟ وهذه ـ صراحة ـ من المضحكات المبكيات أن تجد من يتلاعب بالألفاظ بهذا الشكل ليصل لنتيجة على مقاسه وهواه، كأنما الإسلام جاء ووجد الناس على الإفراد يحرمون على أنفسهم التعدد، فأمرهم بالتعدد، وندب إليه وفرضه فرضًا، وتوعد بالعذاب لمن لم يفعله!

المرأة السلعة

حتى إذا جاء بعض هؤلاء إلى الحديث عن دوافع الرجل للتعدد وفوائده عليه فاحت رائحة كريهة ترجع بنا إلى الجاهلية الأولى، وعرفت حينئذ أنهم لا يزالون ينظرون إلى المرأة كسلعة في أيديهم أو كآلة للمتعة، يرمونها أو يستبدلون بها، كلما أصابها عطل، فهي لم تعد صالحة لتلبية غرائزهم، والسهر على راحتهم.

فتجد أحدهم يقول في معرض فوائد التعدد: إن الرجل غير المعدد يحيض إذا حاضت زوجته، وينفس إذا نفست زوجته، في إشارة منه إلى انقطاع العلاقة الجنسية في هذه الفترات، فيدعوه إلى التعدد؛ حتى لا ينقطع مراده في حال من الأحوال.

وبغض النظر عن التصور الموغل في التطرف عن الزواج، والذي يكاد يحصره في الجنس، دعونا نتساءل عما إذا كان هذا القائل يعترف أصلًا بأن هذه المرأة إنسان أم يعتبرها آلة، يجب أن تعمل بلا ملل في إسعاده وإشباع رغباته، حتى إذا حاضت أو نفست، الأمر الذي تعاني فيه الأمرين لتجلب لسيادته أولادًا، يتباهى بهم فيما بعد في المجالس، اعتبر ذلك نقصًا فيها يبرر له التعدد. ماذا عن تحمل مسؤوليته في إنجابها منه أولادًا، وهو الذي لم يذق، ولو ذرة واحدة مما ذاقته هي في حملها وولادتها، بل في تحملها لحيضها سنوات وسنوات؛ لأجل أن تستطيع الإنجاب لحضرته المبجل؟ ويأتي أخيرًا بحل عبقري! تزوج عليها! فإذا وضعت الثانية، عليك بالثالثة، ثم الرابعة، ثم عد للأولى لتجدها قد تفرغت لك بعدما كبر أولادها، وهكذا دواليك، فسعادتك لا يليق بك أن تتأذى مصالحك بأي عارض كان، حتى لو كان إنجاب فلذات أكبادك.

إن هؤلاء لم يفهموا يومًا أن الزواج شراكة أعمق من ذلك بكثير، هي تلك الشراكة التي تجعل شريكك يتحملك في ضعفك قبل قوتك، ويتشارك معك المسؤوليات الزوجية، لا أن يبحث عن خلاصه الفردي بأنانية. هذه الشراكة التي تعلم أنهم لم يعلموا عنها شيئا، فتجدهم حتى في تحريرهم للمصطلحات يستعملون كلمة مثل الاحتكار، والزوج المحتكَر، والزوجة المحتكِرة؛ لأن الزواج في نظرهم استهلاك سلعي، المرأة فيه متاع متى ما انتهى فيه تاريخ صلاحيتها، أو أتاها عارض ما، لم تعد صالحة، وجب الاستبدال بها، والبحث عن أخرى، أما منطق التشارك والتراحم والصبر وتقاسم المسؤولية والوفاء، فهم لا يعترفون به.
ثم إنهم لا يكتفون بمنطق «تشييء المرأة» واعتبارها سلعة، لم توجد إلا لإمتاع الرجل، بل يذهبون إلى التأكيد على أنها كائن أقل من الرجل؛ فالتعدد حسب ما قاله أحد هؤلاء الدعاة إليه، تتجلى أهميته ومحوريته في اختزاله قيمًا إسلامية عديدة: أهمها أن الرجل أفضل من المرأة.

نعم يا سادة: أفضلية الرجل، فالإسلام قد فضل الرجل على المرأة! وفي الحقيقة وأنا أسمع مثل هذا الخطاب أشك للحظة أن هذا الشخص يتحدث عن نفس الدين الذي أدين به الله، وحاشا لله أن يكون هذا دين الله أو تكون هذه من القيم التي جاء بها، فالإسلام لم يأت بتفضيل جنس على جنس، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف النساء شقائق الرجال، والآية تتحدث عن أن لهن مثل الذي عليهن بالمعروف، والتفضيل إنما هو للأتقى لا لمن نبت له لحية وشارب.

وربما يكون القائل قد خانه علمه ومعرفته فأخطأ المقصود بالآية الكريمة المتعلقة بالقوامة والتي تتعلق بتفضيل جزئي وليس كلي، فالرجال مفضلون على النساء في هذه الجزئية، وليس في العموم، والدليل هو قوله تعالى: بما فضل الله بعضهم على بعض، «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْۚ»، ولو أراد مطلق تفضيل الرجال على النساء لقال سبحانه بما فضلهم على النساء، ولكن الآية تتكلم عن التفضيلات الطبيعية والجزئية بين الرجال والنساء، فقد تفضل النساء في أمور ويفضل الرجال في أمور، وهذا من جمال الحياة وموجبات التكامل. ومن أمثلة تفضيل النساء على الرجال الجزئية حديث «أمك ثم أمك ثم أمك»، فالمرأة الأم، في هذه الجزئية، مفضلة على الرجل، ولا يزعم عاقل أن هذا يعني مطلق التفضيل.

———————-

[1]الآية 3 من سورة النساء

[2] الآية 129 من سورة النساء

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعدد
عرض التعليقات
تحميل المزيد