كانت شريانًا لدمشق ولجزء من ريفها، مقصد المصطافين وموئل المتنزهين، فعرفت بجوها الرطب وهوائها الرقيق العليل وينبوع مائها العذب الذي أضفى عليها حسنا وخد خلالها أخاديد عتاق فاضت جمالا وسحرا ، يروي هدير مائها قصص الغابرين من أمم تقاذفتهم أيدي الأيام والعصور وترك كل منهم ذكراه محفورة في ناحية من نواحي تلك الجنة الغناء، بين سكتها القديمة وصخورها الرومان وكهوفها المترامية في جنباتها ؛لتروي جدرانها حكايات وذكريات وقصصا وروايات لشيب وشبان وفتيان وفتيات .

جرت على بلدة عين الفيجة سنة السياسة؛ الأمر الذي ما سلم منه شبر من التراب السوري بعد أن صار عضين بين مشاريع دولية عملاقة ؛داست براءة البلدة البسيطة بعد أن هتكت عذريتها بادئ ذي بدء منذ مطلع التسعينيات شركات استثمارية ربحية لم تبال بطهر تربتها؛ فخرقتها ومزقت أوصال الطبقة الصخرية التي كانت شكلت مصفاة طبيعية تنقي موارد مياه النبع ،فحسب رسالة نشرها عبر شبكة الإنترنت الأستاذ ناصر ناصر الدين معاون وزير الإدارة المحلية سابقًا وهو من أبناء البلدة «الموالين للنظام السوري»: (إننا فرحنا كثيرًا عندما أصبح موضوع الحرم بأيدي خبراتنا الوطنية وتم استبعاد الشركات الأجنبية التي تقاضت ملايين الدولارات بهدف رفع منسوب مياه عين الفيجة من واحد متر مكعب بالثانية إلى ثلاثة أمتار مكعبة في الثانية والنتيجة لم يتحقق شي من هذا بل العكس تناقص منسوب المياه) ثم تابع قائلا (كما أن حفر عشرات الآبار في الحرم المحيط بغية اكتشاف مساحة الحوض و مسار المياه أدى إلى تخريب الطبقات الجيولوجية التي كانت تعتبر بمثابة مصفاة طبيعية للثلوج والأمطار المتساقطة على حوض النبع أصبحت كالمصفاة المهترئة يصعب إصلاحها).

أثارت توجسًا لدى فئة من أهالي عين الفيجة زيارة مسؤول إيراني رفيع للبلدة ودخوله حرم النبع وسط انتشار أمني مكثف وتطويق عما أرجاء البلدة ،كان ذلك قبل اندلاع الثورة في سوريا بعدة سنوات في مشهد حفه الغموض حينها؛ لتتجه أصابع الاتهام فيما بعد نحو نظام الأسد باعتباره كان ماضيًا منذ تلك الآونة نحو «بيع دمشق» لايران وحلفائها بحسب تعبير أصحاب هذا الاتهام ،معتبرين أن تلك الزيارة كانت من ضمن السفقة المزمع تنفيذها، حيث قال أبو محمد أحد أبناء البلدة لدى سؤالي عن هذه الزيارة ضمن اتصال خاص: (زيارة المسؤول الإيراني كانت إنذارًا لأهل البلدة ما ترك في نفوس الناس استياء مما سيجري لهذه البلدة العريقة من اغتصاب خصوصًا أن الأهالي عرفوا بأن تلك الزيارة هي فحص و جس نبض لما سيقوم به الاحتلال الإيراني مستقبلا) .

على الرغم من التزام منطقة وادي بردى بما فيها عين الفيجة الحياد بداية الثورة واتخاذهم موقف النأي بالنفس تجاه الحراك الثوري الذي عم أرجاء سوريا ،إلا أن الثورة سرعان ما ألقت بظلالها على المنطقة التي كانت محاصرة بحكم جغرافيتها بقطع عسكرية عدة تمركزت على الجبال المحيطة بها فيما كانت تجعل من الأهالي هدفًا لمرمى قناصاتها بين الفينة والأخرى؛ فقد انخرط عدد من أبناء المنطقة في صفوف الثورة السورية ضمن نشاطات وفعاليات خدمية بمسعى لرأب الفجوة التي خلفها الإهمال الخدمي للبلدة بدايات الثورة ثم انحسار تواجد النظام ومؤسساته عن المنطقة عمومًا،ليأتي فيما بعد ميعاد الانتقام من تعاطف سكان البلدة مع الثورة والذي طال كل ما فيها بذريعة محاربة المسلحين أو «الإرهابيين» بحسب مزاعم النظام السوري الذي شن حملة موسعة شملت وادي بردى عمومًا واستمرت مدة أربعين يومًا؛ لتترك البلدة حرضا خامدا لا حراك لها يملأ نواحيها الدمار والخراب، حتى استحال سحرها وجمالها جحيمًا كما تظهر صور بثها ناشطون من أبناء البلدة عبر شبكة الإنترنت تنقل حال قريتهم المنكوبة؛ ثم لينتهي الأمر بتهجير أهالي البلدة قسرًا نحو الشمال السوري.

لم يكتف النظام بما أسفرت عنه حملته العسكرة من دمارعم البيوت والممتلكات؛ ليلي عملية التدمير والتهجير قرار استملاك وهدم شمل ثمانين بالمئة من البلدة المدمرة معتبرًا إياها حرمًا للنبع بحجة منع تلويث مياهه التي تسقي دمشق ومحيطها؛ ما أثار حفيظة أبناء البلدة من مؤيدة للنظام السوري فضلا عن معارضيه معتمدين اعتبارات عدة تحكي تناقض القرار؛ حيث يقول الأستاذ ناصر الدين في مطلع رسالته المذكورة: (إن ما قرأته عن عزمكم على استصدار نص تشريعي لحرم جديد لنبع الفيجة من أجل منع التلوث يثير الدهشة والاستغراب إذ أنه من الناحية العملية يستحيل تطبيق هذا القانون على هذه المساحة الشاسعة التي شملها وتقدر بنحو 800 كيلو متر مربع) ثم استطرد مستنكرًا: (إن دمشق لا تشرب من نبع الفيجة فقط وإنما أيضًا من مئات الآبار المحفورة في حدائقها فمن باب أولى لمنع التلوث يجب استملاك مدينة دمشق بالكامل!) كما أنه بحسب الرسالة السابقة فإن الاستملاك الذي جاء بذريعة الحفاظ على مياه النبع جاء مقتصرًا على بلدة عين الفيجة التي شهدت انتفاضة ضد نظام الأسد خلافًا لمناطق أخرى كانت تحت سيطرته ولم تشارك في الحراك الثوري، رغم أنه يمتد ضمن ثراها أجزاء من الخزان المائي الهائل الحجم ذاته الموجود في عين الفيجة مما يؤكد اتهام المعارضين للنظام بأن القرار جاء عقابًا من النظام للبلدة التي التحقت بركب الثورة ؛حيث تعجب السيد ناصر الدين ضمن رسالته من عدم اشتمال القرار على مناطق أخرى «اتسمت بأنها موالية للنظام» قائلا (لماذا لا يشمل الحرم أيضًا منطقة الشادروان ووادي مروان وكفير يابوس ونبع بردى التي تشكل جميعها مصدرًا لمياه شرب دمشق)،كما يرى ناشطون أنه وبالنظر لما خلفته الحملة العسكرية التي سبقت القرار من تلويث وغور لمياه النبع، وتصدع وتهالك أصاب خزانه المائي نتيجة القصف المكثف طيلة مدة الحملة بمختلف أنواع القذائف والصواريخ شديدة التدمير؛ فإن القرار يخلو من حجته التي يتذرع بها في أنه مسعى للحفاظ على مياه النبع،حيث إنهم وجهوا خلال الحملة نداءات عدة مطالبة بإيقاف القصف حفاظًا على مياه النبع وخوفًا من تأثرها بشدة القصف دون أن يجدوا أيما استجابة من طرف النظام السوري الذي واصل إلقاء حممه بشكل مركز على مبنى النبع فضلا عن بقية حرمه، وكذلك باقي أطراف البلدة التي بدت نهاية الحملة مدينة أشباح بحق شاهدة على شراسة الحملة التي تعرضت لها؛ ليشرع النظام حسب أنباء تواترت من داخل مناطق النظام حملة الهدم لما اعتربه حرمًا جديدًا للنبع.

مع بداية إعادة إعمار سوريا من مخلفات الحرب التي بات يتباها إعلام الأسد بانتصاره فيها بحسب ما يدعيه؛بعد سيطرة حلفائه من ميليشات تتبع لإيران و قوات متعددة الجنسيات على الحصة الأكبر من سوريا بما يقارب 46 كيلو مترا مربعًا من ثراها؛ يستكمل الأسد تفجير ما بقي قائمة على شفا الانهيار من أبنية عين الفيجة المتهالكة،غير آبه بنداءات مواليه ولا بما ألحقه من تشريد شمل ما يقارب سبعة آلاف نسمة من أهالي تلك البلدة السياحية الشهيرة ؛لتكون أنموذجًا عن إجرام نظام الأسد بحق شعبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد