يقول النقاد إن الأدب يتفاعل مع المجتمع المحيط بالمبدع لينتج هذا التفاعل نصًا لا يخرج عن مشاكل هذا المجتمع واهتماماته وردود فعله، هذا الأدب يعوم في بئر القضايا والملابسات والثقافات المنتشرة، ولهذا نرى في الرواية السياسية الحالية نبرات ثلاثًا متكررة نورد عنها في الآتي:

الأولى

هي نبرة غضب ومقت من السلطة وعدم تقبل الوضع الحالي نهائيًا وتمتاز بشجاعة الرد وقد أوردها عز الدين شكري في الرواية الجميلة التي صدرت في العام الماضي عن دار الكرمة (كل هذا الهراء) والتي كانت واضحة في رفضها للمجتمع بدون أي وجه من وجوه الخوف من السلطة أو نبرة الخوف أو إخفاء التصريحات المثيرة للتشكك والتي نراها جلية في النوع الثاني.

وفي رواية مولانا لإبراهيم عيسى تخطى الكاتب الكبير كل القيود بمهنية صحفية وقام بإثارة موضوع في غاية الأهمية وهو علاقة شيوخ التلفزيون بالسلطة، وبالطبع مشكلة التنصر كمشكلة سياسية وسياسة أدارت السلطة للبلاد والعباد والتعامل مع فضائح أبناء النظام بشكل واضح للغاية.

النوع الثاني

نرى فيه القصص الانعكاسية هزلية للواقع تمزج النبرة الساخرة بنبرة حزينة على وضع الدولة. في الغالب تعالج الأفكار وفقًا لأحد أساليب الكتابة غير العقلانية.

مثلًا بأسلوب سريالي كرواية برج العذراء لإبراهيم عبد المجيد أو لآدم سبع أرجل لدعاء إبراهيم أو أبي شلاخ البرمائي لغازي عبد الرحمن القصيبي وفيه يحاول خلق انعكاس بعيد عن الموضوع يلقي بدلالات هرمنطيقية بسيطة عن المجتمع السياسي.

أو تكون المعالجة كدستوبيا واقعية سحرية غالبًا كرواية عطارد لمحمد ربيع المهمة للغاية أو رواية معبد أنامل الحرير لإبراهيم فرغلي وهنا يخلق الكاتب مصيرًا مختلفًا للدولة ويعيش في تاريخه الخاص الذي ينعكس بشكل ما على سلطة ما أو تيار سياسي وهو قريب منطقيًا أحيانًا من الواقع في معبد أنامل الحرير كان بتولي الإسلام السياسي غير المعتدل على مصر أما عطارد فتحدثت عن احتلال.

أو فانتازيا كرواية قطط العام الفائت لإبراهيم عبد المجيد أو نفر من الجن لأيمن العتوم والتي يبني الكاتب فيها بناء غير منطقي ولا موضوعي للعالم ويبدأ بسرد أحداث قصته.

والثالثة هي المعالجة التأريخية للفترة السياسية وإقامة القصة عليها ومنها قصتنا التي نود أن نتكلم عنها ومن الروايات المتميزة في هذا الطور رواية سقوط الصمت لعمار علي حسن ورواية باولو ليوسف رخا ورواية ذات لصنع الله إبراهيم، والرواية التي نود التحدث عنها اليوم:

أعلمها اللمس لمحمد علي إبراهيم.

السحاب والبحر والنيل ونحن وكل شيء حي من ماء وكل ماء يبحث ماءه حتى العطش.

القصة

أعلمها اللمس هي قصة صعود طالب جامعة يدعى محمد صالح الجعفري من الصفر تقريبًا وإلى أن أصبح من أكبر مستوردي الهواتف النقالة في مصر.

الوالد محمود الجعفري مدرس تاريخ وجد تمثالين من عهد المصريين القدماء من الذهب وباعهما وتحول لشخصية مشهورة مما جعل الحزب الوطني يستخدمه على قوائم مجلس الشعب واحتكاك الوالد بالسلطة جعل للابن فرصًا أكبر بكثير ومستقبلًا أكثر تقبلًا.

صالح يحب لاء وصالح يحترق الكون حوله صالح يرسل رسائل الحب للاء ولاء لم ترد على صالح، صالح كان معارضًا للنظام وداعمًا وممتنًا له في نفس اللحظة ركب أول موجة عصفت في طريقه وأصبح من علية القوم.

صالح يود أن يعرف لماذا لا يغير السكر لون الشاي مع أنه يجعل الشاي أكثر حلاوة، وأنا أود أن أعرف لماذا لم تغير الثورة شيئًا في البلاد مع أنها جعلت البلاد أكثر حلاوة يومًا.

باختصار لدينا قصة صعود صالح وقصة الدور السياسي لصالح وعلاقاته النسائية وقصة حب من طرف واحد لفتاة تملك اسمًا يعكس دلالات كثيرة هي (لاء) وقصة مجريات الأحداث السياسية من قبل ثورة يناير وحتى العهد الذي نعيش به.

الجو بارد جدًا، امنحيني جفنك الأيسر حتى تتدثر روحي، اتركي الأيمن للأقربين، أنا لا أثق سوى بكل ما هو أيسر: هنا يرقد القلب، وتقول لغتي الأيسر أيسر رغم صعوبته.

البناء الروائي

لم تمنهج الرواية طبقًا لبناء معروف كلاسيكي بل أخذت طور الرسائل في رواية ما بعد الحداثة مما جعلها محكومة نوعًا ما ببنية الرسالة والتي تكون من صالح إلى محبوبته تبدأ بتجلٍّ ناعم للحبيبة ثم بدء السرد لأحداث من حياة صالح ثم التوجه للجزء السياسي من الرواية والذي يعد ثلثها والرسائل غير مرتبة إلا أنها حسب الأحداث التاريخية مضبوطة فإن رتبت فقد يتحول هذا النص لعمل مرح عبثي بشكل ما.

الشخوص

الكل ينبع من صالح ويرجع له، مع ذلك التزم صالح الحياد فلم يحكم على الشخصية في الغالب مما أثار دهشتي فلم يكن منظوره السائد قريبًا مع فكرة أن النص نظريته.

فاللواء عقارب مع أننا جميعًا نعرف دورة الفاسد إلا أنه يظهر كشخصية لها أسبابها ولها تبريراتها ومحمود والد صالح قد يعتبر انتهازيًا أو ضحية في الوقت نفسه مع أن العمل بالكامل كان على نمط الرسالة والراوي الواحد إلا أن صالح يرى من السماء ليس مجرد قارئ للصحف أو مشاهد للأنماط لدينا هنا راوٍ عليم في صورة بطل للرواية.

صالح نفسه شخصية مركبة للغاية، إنه الإنسان إذ لم يقدر التحكم في شهواته فطلح، صالح يعمل بجد، طالب في كلية علوم، أصبح بطلًا سياسيًا بالصدفة، يضاجع كل إناث العمل، يمكن وصف صالح بسوبر مان العالم المصري الحالي وحلم الشباب بشكل ما.

الحبكة

تقتصر الرواية على حبكة قائمة على الشق السياسي ففي الرسالة السادسة والأربعين والأطول (الرسائل غير مرتبة وغير كاملة) يكمل الراوي النص لآخر الكتاب يهتم بقصة صالح ومغامراته النسائية وبقصة الحالة السياسية لمصر والتي تشغل الكاتب جدًا فصالح يناجي حبيبته في ظل دولة تحترق وعليها فإن شذرات النار يجب أن تصل للرسائل بشكل ما.

اللغة

تمازجت بين فصحة نثرية موسيقية في مخاطبة لاء تنزل إلى مستوى أقل في الحديث عن صالح لتضعف وتنقشع وتختلط بالعامية في الحديث عن الدولة.

الخاتمة

أتساءل لماذا كتبت الرواية، ولماذا الأسماء، إن الأبطال المسرحيين يجدلون ضفيرة من الأحداث تقول لنا رسائل مبهمة قد استمعت من خلال النص كلمات كما لو أن النص يتكلم عن ثورة فاشلة وعن شخص يحب أن يرفض أن الوحيدة التي يتقرب إليها صالح هي لاء وهي تعبير عن الرفض مما قد ينعكس على اندفاع صالح في الحياة بلا رادع، أرى ألمًا وسلطة فاسدة وتليفونًا محمولًا يتكلم عن سيطرة الحداثة في كل خطوة على الرأي، كل يوم هناك جديد ولكن السكر لا يغير لون الشاي مع ذلك.

في النهاية استمتعت بالرواية وبلهجتها بشكل كبير فقد كنت محاطًا لمدة ليست بالقصيرة بأعمال فلسفية وسريالية ولقد جاء هذا العمل كرجوع للرواية المعتمدة على الحكي وسرد القصة وليست معتمدة على استعراض التكنيك. العمل لطيف وأرشح قراءته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد