كثير من أبناء الأمة يعلق آمالًا كبيرة على الجماعات الإسلامية في بناء صرح إسلامي كبير يعيد للأمة مجدها وعزها وكرامتها وشرفها. تخرج بهم من حالة التيه الفكري والتردي الأخلاقي والتسول السياسي والخراب الاقتصادي، إلى ساحة الفكر الواسع للكون والحياة والإنسان، وإلى مكارم الأخلاق التي تعيد للإنسان حياءه وذوقه ووفاءه ووقاره، وإلى سياسة قائمة على المصالح المعتبرة، وإلى مكانة اقتصادية تقيم للإنسان حياة أفضل في معاشه وحياته.

نعم ما تزال الجماعات الإسلامية – تيارًا أو تنظيمًا – عندها من المرجعية الفكرية والأخلاقية والسياسية ما تتحقق به الآمال، إن أحسنا ترشيدها، وقومنا اعوجاجها، وعالجنا انحرافها وزللها. العصمة ليست لأحد بعد الأنبياء – عليهم السلام – فكل تجمع وكيان ومذهب يؤخذ من كلامه ويترك، فالعصمة ليست للذوات أو الأشخاص أو الهيئات، وإنما لكلام الله ووحيه من كتاب وسنة.

تحويل التيارات العارمة والكيانات الكبرى إلى مراتع ومراضع لأصحاب الأهواء والنفوس المريضة المتسللين والمخترقين لمراكز القيادة، وسوق الأتباع كالعبيد باسم المصلحة العامة، أو مصلحة الجماعة من أكبر التحديات.

بعض الإخوة الكرام على مثالية كبيرة، حيث يرون استحالة الاختراق أو التسلل، أو الضعف والخوف من بعض القيادات التي لها تاريخ في الثبات والتضحية، وينظر لهم نظرة القداسة على أنهم ليسوا بشرا وإنما ملائكة كرام … لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. غالب هؤلاء الأخوة التبس عليه الأمر بين الحب والمودة والاحترام وبين إدارة الشأن العام للجماعة أو التيار، والجهة منفكة بينهما تمامًا، فحب السابقين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم فريضة شرعية.

أما أمر الإدارة وسياسة الأمور قد تصح منهم وقد لا تصح، والخطأ وارد علينا وعليهم، وقد نبه الله رسوله – صلى الله عليه وسلم – في القرآن أكثر من مرة على فعله المتعلق بسياسة الدولة وأمر إدارتها، وهذا لا ينكره أحد أبدًا.

هنا تأتي أهمية التقويم بعد التقييم للموقف من أهل الخبرة والاختصاص، حيث لا وحي بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم يبق لنا إلا النظر في الأمور وتقييمها بصورة موضوعية بعيدة عن الشخصنة والانفعال. وأهمية دور المنتمين للكيان أو التيار، ومدى ثقافتهم الصحيحة أو الخاطئة في حقيقة الانتماء للكيان أو التيار. بعضهم ينظر للقيادة نظرة الشريك في الهدف والتنظيم، فهو صاحب حق في الكيان كأي قائد حمل المسؤولية التكليفية، فهو يدفع من ماله وجهده ووقته بل حياته إن اقتضى الأمر لصالح التنظيم أو الكيان الذي أنتمي إليه.

الأشخاص عنده ليس لهم قداسة النبيين والمرسلين، حتى النبيين والمرسلين كانوا يراجعون في بعض تصرفاتهم التي يراها الشريك ليست مناسبة للموقف، وعلى ذلك شواهد وأدلة لا تحصى.

الشريك يفرق بين المودة والاحترام والثناء وبين إدارة الأمور، فلا يخلط بينهما، فهو فى الأولى من المحبين لكل إخوانه وأحبابه الذين معه وبالأخص من كان لهم فضل السبق والتضحية، وفي الثانية من الناصحين لتولي الأمور وإدارتها لمن يحسنون الإدارة. كلنا يحفظ حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم – إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة. والساعة هنا بمعنى الهلاك والدمار للكيان كله، فأي تنظيم أو كيان يقع في ذلك فقد قامت قيامته، فهو أقرب للاستبدال بغيره، والله لا يحابي أحدا من رسول أو نبي، فما بالنا نحن إن أخطأنا وسكتنا عن الخطأ.

أما التابع فنظرته للأمور تختلف عن الشريك، فهو يسمع ويطيع لكل أمر، وثقته في القيادة غير محدودة، وأمر التنظيم عنده من المسلمات التي لا تمس. هو أقرب لشخصية المحب والمريد بين يدي الشيخ، يفعل به كما يفعل المغسل بالميت، يحركه يمينا ويسارا دونما فكر أو اعتراض. نعم السمع والطاعة والثقة من الأركان لأي نظام أو تنظيم أو كيان، لكنه ليس بالأمر المطلق أبدًا، فالسمع والطاعة والثقة لهم قوانين وضوابط شرعية وعقلية وسياسية وعرفية.

أما الأجير فهو المنتمي النفعي الذي يسعي وراء المنفعة الدنيوية، ساكت عن الحق مهما كان الخلل من قيادته، يبرر لها أخطاءها، يعمل بنظرية من يدفع أعمل معه. وقع في ذلك ناس على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة… هذه الشخصية بكل صفاتها أو بعضها موجودة بين بعض الوزراء والمحافظين والنواب والرموز الشرعية والسياسية والإعلامية والمهنية والشباب والنساء الذين لا يتحركون بالموافقة أو المخالفة للقيادة إلا بنظرية المنفعة المادية الصرفة.

هكذا كل المجتمعات والتنظيمات والكيانات ليست منزهة عن ذلك، واختيارك لنفسك بين الثلاثة هو الذي يضع الكيان على الطريق الصحيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد