الانتماء كلمة ساحرة لها وقع كبير في نفوسنا، كلمة لها بريق قوي يسطع في سماء فكرنا بين الحين والآخر سواء كان الشخص شديد الانتماء أو انتمائه متواري تحت تراكمات التهميش المتعمد وأتربة الفكر الراكد – من سنين مضت- التي تحكمنا وتكاد تتحكم في مصائرنا أو هي هكذا بالفعل.

تختلف درجات الانتماء بيننا حسب فهم كل منا لمعنى الوطن ونظرتنا للمكاسب التي حصلنا عليها، وهي ما نتفق على تسميتها بحقوقنا في الوطن.

وبما أننا بشر ولسنا ملائكة ولا نعيش في المدينة الفاضلة، ننظر دومًا إلى ما نحصل عليه أولًا قبل أن نعطي، فهذا يريد أن يعمل بجد واجتهاد ولكن بعد أن يعرف ما سيتقاضاه في المقام الأول، وهكذا نحن دومًا في معظم مجالات حياتنا تحكمنا نظرية الأخذ والعطاء.

في لقاء جمعني بـ(لواء متقاعد- صاحب شركة). أخذ يتجاذب معي أطراف الحديث عن أهمية تضافر جهودنا وتكاتفنا من أجل رفعة البلد ورفع رايتها.

بدأ يلوم على الشباب عدم انتمائهم للبلد وعدم صبرهم حتى نخرج بالبلاد إلى بر الأمان ونخرج من عنق الزجاجة، الوهم الذي ينمو يوميًّا معنا كلما كبرنا.

تحدث معي عن أيام الصبا وكيف كان حين تخرج، وقال لي :إن راتبه الأول كان يتيح له الزواج في خلال أربعة أشهر فقط، ثم ذكر لي أنه أشترى شقتين، إحداهما في (مصر الجديدة) والأخرى في (مدينة نصر)، من مدخراته الشخصية في أيام شبابه وقوته، وكان ثمن الشقق في ذلك الوقت يتراوح من (15- 18) جنيهًا فقط.

بدت على وجهي علامة الاستفهام؛ ففهم على الفور سؤالي، أجابني: أنه من الصعب على شاب في مقتبل العمر أن يحصل على شقة يربو ثمنها الآن عن نصف مليون جنيه، ومن الممكن أن يقضي جل عمره دون أن يدخر نصف هذا المبلغ.

أردف قائلًا : إنه أعطى إحدى الشقتين لابنه الأكبر ليتزوج بها، ثم صمت برهة، وقال: لقد أخذنا كثيرًا من بلدنا أنا وجيلي في التعليم ولم نواجه صعوبة في الحصول على مرتب (يكفل حياة كريمة) أو وظيفة تكفل لنا العيش في استقرار، هنا انتهي اللقاء مع سيادته.

 

على الصعيد الآخر شباب لم يتلقوا التعليم الكافي الذي يؤهلهم للحصول على وظائف تكفل لهم الحياة الكريمة. كيف نقوي فيهم الانتماء؟

شباب إلى الآن بعضهم تجاوز الثلاثين وما تزال خانة المهنة في بطاقته خالية تحتفظ فقط بالمؤهل العلمي. كيف نقوي فيهم الانتماء؟

 

وكم منا له والده يساعده في الحصول على شقة أو وظيفة أو تعليم خاص ليستطيع أن ينهض من ثباته العميق ويلحق بركب وظائف الأحلام!

 

ويبقى السؤال؟ أي صبر مطلوب منا (كشباب) أكثر مما سبق، وإذا صبرنا كم نستغرق من الوقت لنصبر؟ ونصبر على أي شيء؟ إلى متى؟

نحن أمام قنبلة موقوتة، إما أن ننقذ سفينتنا من هذا العطب الذي عطل – وما يزال يعطلها- وإما أن تغرق السفينة بالصالح والطالح معًا.

أو سيبحث (فاقدو الانتماء النسبي) عن سفينة أخرى تحملهم، وهنا ستكون الفاجعة، سنكون بصدد جيل فقد الانتماء ويبحث عن وطن جديد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد