غريب هذا الكائن الذي ميزه الله عن باقي مخلوقاته، فمن الصعب فهمه أو معرفة حدوده وإمكاناته، وأخطأ كل من ادعى فهمه أو معرفته، قد يصيب البعض في وصف جانب منه، لكن من المستحيل وصفه كاملًا، في كل مرة يظهر بشكل مختلف، يراه البعض جميلًا يعلو لمراتب الملائكة، بينما آخرون يرونه قبيحًا يهبط إلى مراتب الشياطين، يكون في جانب متخطيًا كل الحدود، ويكتسب آفاقًا كبيرة، ويفوق كل القدرات ويزداد مهارات جديدة، وفي جانب آخر تراه يسقط إلى القاع لا يختلف عن البهائم، بل يكون أضل منهم.

ولكن الحديث هنا عن الإنسان من داخله، فهو عجيب كل العجب، تراه يناقض نفسه بين الحين والآخر، تجده مقتنعًا برأي وتصل درجة حماسته لإضاءة ملعب كرة قدم، وتراه في موضع آخر يتخلى عن قناعاته القديمة، بل يسارع في وأدها، ويُهيل التراب عليها حتى لا يُفتضح أمره، ويتبرأ منها، وينكر معرفته بها، تغيب عنه حماسته؛ ما يجعله أقرب إلى لوح من الثلج، قد تكون آفة ابتلي بها، وأصابت ما بداخله، فأفسدت نهجه السائر عليه، وجعلته يتخبط وينحرف عن مساره الذي اعتاده، وذلك ما يطلق عليه البعض النفاق آفة الزمان، وآخرون يرونه الضعف، وفي النفاق تكون المصلحة هي المحرك الرئيس، وفي الضعف يكون الخوف هو المسيطر.

والنفاق هو أكثر آفات هذا الزمان الذي قدر لنا الله أن نعاصره ونحياه، لا ثبات على موقف أو مبدأ، لم تعد هناك ثوابت في أي شيء، النفوس أصبحت تمرق كثعبان لا يتقدم إلا بالالتواء، تراه متلهفًا دائمًا، ويسعى للتقدم، إنه لا يعرف سوى الالتواء، تلك معرفته التي يتقنها جيدًا، هي فطرته التي اكتسبها من الطبيعة والظروف المحيطة به، كما أنه لو استقام فلن يتحرك من موضعه، لقد أتقنت النفوس مرونة الثعابين، تنتج سمًا يزداد كل يوم من ذلك النفاق الذي لا ينطفئ، لا يتأخرون في النفث كلما سنحت له الفرصة، وهكذا يتقدم.

ويرى البعض أن هذا التغيير وتبدل الآراء هو ضعف وقع على صاحبه، أراد لنفسه النجاة في هذا الزمن، كما أن وضع قدميه لا يمكنه من السباحة في مواجهة هذه التيارات، وأيقن أن الإرادة قد تهلكه، ورأى من الحكمة أن يتخلص منها، فهي تثقله، وتسقط به إلى القاع، يريد أن يتحرر ليطفوا على السطح تاركًا قدره للأمواج التي حتمًا سُتلقي به إلى البر.

لهذا فالإنسان يناقض نفسه في كل وقت وحين، والجميع يملك الحُجة الصريحة والواضحة التي تؤكد أنه على صواب، والآخر هو المخطئ، فكل الأطراف أصبحت على صواب، وكذلك الجميع مخطئون.

في خلافاتنا قديمًا ونقاشنا كانت لدينا قاعدة صلبة ننتهي إليها جميعًا، نصل إلى الحقيقة التي ترسخ في كل العقول، وتهدي كل عقل أصابه الشك والقلق وكاد يقضي عليه، حينها كانت النوايا كلها صالحة، لا تعرف سوى الحق والخير، وتسعى دائمًا إلى السلامة والأمان.

ولكن الزمان اختلف والنوايا تبدلت، بدأ المرض ينخر في النفوس، وبدأت في الانتشار والقضاء على كل نفس تعاني الضعف، وأصبح الإنسان يُفسد في الأرض أكثر مما يصلح، ولم تسلم تلك القاعدة التي كنا ننتهي إليها جميعًا من التشكيك في صحتها وفساد أساسها، واستنتج كثيرون إجابات عديدة لها؛ ما جعلت النفوس الصالحة تتخبط في بعضها البعض، فثبتت القوية وتزعزعت الضعيفة.

واليوم يرتدي الباطل ثوب الحق، ووضع على رأسه غطاءه الأبيض، وجلس متكئًا على مقعده، وقد التف حوله الغائبون، ينطق بلسانه، ويردد كلماته، ويذكر أحاديثه، وينظر بعينه إلى السماء أنا العارف بالله، وأنا التقي والمؤمن، ويشير بأصبعه هذا هو الطريق، يهدهد رأسه، ويحنى جسده، ويبطئ في حركته، ظنًا منه أن ذلك هو الورع والإيمان.

الحق سيف يقطع ويفصل، وليس كل من أمسكه كان على حق، والأيادي تختلف عن بعضها، لكن السيف واحد لا يتغير، واستخدامه هو من يحدد إلى أي الفريقين ينتمي، فرق بين سكين تُعين على إعداد الطعام، وسكين تُزهق الأرواح، فرق بين كرسي يعلو بصاحبه إلى الجنة، وكرسي يسقط بصاحبه في الجحيم.

لكن ماذا عن المُسلَّمات التي أخبرنا بها تبارك وتعالى، ماذا عن الحق والباطل، وماذا عن الخير والشر، وماذا عن الجمال والقبح، أيكون في هذا تناقض هو الآخر! كلا، تعالى ربنا عز وجل، بل كل قول لله سبحانه هو الحق الذي لا خلاف فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو النقاء الذي لا يعكره شيء، وهو النور الذي لا ينقطع ولا ينتهي، من توجه إليه نجا، ومن تخلف عنه هلك.

وحقيقة الأمر أن كل إنسان يعرف في قرارة نفسه الحق وماهيته ويدرك الحقيقة التي يرفضها ويحاول تزييفها، يأتيه الهاتف من الداخل أن هذا شر لا ينبغي أن يكون، وأن هذا خير لابد أن يكون، لكنها أصوات تعلو عند البعض، وتخترق القلب، وآخرون لا تسمع لهم ركزًا، وبمراقبة النفس وحملها على الطاعة يعلو الصوت، وفي تركها وإغفالها تنقطع الأصوات وتصم الآذان، سبحانه وتعالى نسأله التُقى والرضا والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد