يُهيأ لي: أنه سوف تتلاشى في بضع سنوات بعض أنماط الفكر «السلفي» على أشكالها المختلفة اختفاءً ظاهريًّا حتى تنّكمش في قوقعتها المُسماه بـ«الـتَّـقية» لكن المؤكد أنها ستأخذ دورة كمونها ثمَّ ما تلبُث وترتدُ في بضع أخرى أو أكثر وتتبلور مجددًا في شكل آخر.

المؤسف أنَّ الخطاب النقدي لهؤلاء، سواء من بعض التنويريين خطاب يُزيد تفاخمًا للأمر أو المعنيين من علماء الشريعة بمشروع وهمي «الخطاب الديني»، فالبعض منهم أنفسهم هو مُحرض عكس المُراد تمامًا، فتجد في النهاية أننا نصرخ في صحراء خواء وإن كان يبدو المردود ظاهره على العكس، فنرى وهي تُهاجم كتب التراث والفتاوى وغيرها بنمط حادٍّ، ينقلب الأمر تمامًا، لأن الصورة عند العوام مُمهدة أن هذا التراث مُقدس، فإن هاجمته فماذا تنتظر غير العناد حفاظًا على «الإطار الديني» وإن قوَّمته بالقوة ستجد التقية من كبارهم بل والمدافعة عنهم من قبل الغاشية أذهانهم مُكبَّلة بأصفاد التقديس، ويُقال «لا تُلقوا بأنفسكم في التهلكة» فهو بذلك معذور، ربما ينكشف للبعض أمرهم للكثير فيتراجع، وهذا جيد ولكن ماذا نفعل مع الفئة القليلة فنقول لا علينا فيأخذنا الغرور أنهم شرذمة لا خوف منهم، وفي الحقيقة هم الخطر ذاته الذي يتحصنّ بدرع التقية، حتى يجمع شتاته ويعود لحيث بدأ الأمر، ويبدأ بخطاب آخر مع انكسار جديد لضمور المعرفة، أو ضعف الدول، حتى يخلع عنه رداءه ويفعل ما فعل ويظهر بصدر عارٍ.

وفيما أرى أن معالجة الأمر ليس بالموازة مع النمط نفسه أو الهجوم بقدر، أخذ المعني بهم «الثقافة الشعبية» في اتجاه آخر بعيدًا عن الخطاب الوهمي فكما يقول يوسف زيدان بإحدى محاضراته بالمغرب بعنوان «لا جدوى من الجدال الديني» والذي استعرض فيها جميع الصراعات التي كانت باسم الدين منذ مصر القديمة وصراع آمون، وتلتها أحداث عديدة على مرِّ العصور أكدت أنه يا قوم لا جدوى من الجدال الديني.

ونقد الفكر السلفي بهذه الحدِّية وعدم الإدراك الكافي والإحاطة بأصول نواته وخطته الاحتياطية في امتصاص أي ثورة ضده التي تأخذ من التواري ساترًا مستغلًّا أي ضعف، فيقوم مرة أخرى كم حدث في ردته بعد ثورة يوليو فأقحمه عبد الناصر فخمد قليلًا ثم عادَ في السبعينيات من القرن الماضي، ثم تطور في التسعينيات فقوقع بالتقية 10 سنوات حتى استعرض كامل صدره وتبجَّح إبان ثورة يناير فخمدَ أخيرًا بعد أحداث رابعة بـ«القوة» وأرى ربما يأخذُ طور الانكماش فيعود مجددًا، وكما رأينا مؤخرًا عودة طالبان وسيطرتها على القصر الرئاسي دون أي اشتباكات لا أشكك في قوى السيادة المصرية ولا قدرتها، ولن يحدث ذلك، هم مازالوا يحيون ذكرى رابعة والكثير وأرجو أن لا نأخذ الأمر على محمل السخريه، فله دلالة لما أشير من دق طبول مستمر حين العودة، لكن ستكون العودة على شكل وهيئة أخرى ربما المساجد أو الإعلام أو الثقافة أو العقول وانتشار السرطان الفكري، إن لم نحذر ونبتر ذلك في أسرع وقت.

إلا إذا اتجهنا بالثقافة في طور جديد بعيد كل البعدُ عن هذه الحدِّية وذاك الوهم، ومحاربته بالضد «بإدراج مفهوم الهوية المصرية شكلًا وموضوعًا، واندماج الفن بالتعليم والتوعية الإعلامية»، ولا يخشى أرباب الرأسمالية، بل سيكون ذلك مثمرًا على المدى البعيد لهم وللجميع، لا أقول بتجاهل نقد الفكر السلفي لكن نبني عقولًا تستقبل أولًا لتستطيع أن تُفكر وتقبل، ولا أقول بإيقاف خطاب يوم الجمعة، بل تحديده وإجازته ومراقبته على نحو رؤية واضحة محددة دونَ تصادم، فالتصادم لا يأتي إلا بالعناد أو الخوف، فالتواري ثمَّ العودة حين تتهيأ اللحظة المناسبة. هكذا يُهيأ لي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد