لطالما اعتبرت موسكو النزاع في أفغانستان من أهم الأجندات السياسية الأمنية التي تتطلب إهتمام خاص، وعلى الرغم من تراجع دورها بعد خروج الاتحاد السوفيتي مهزومًا من حرب أفغانستان في العام 1988 الى إن اهتمامها بهذا البلد لم يتراجع، خصوصًا أن ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة (أوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمانستان) تربطها حدود معها.

وبالنظر إلى روسيا منذ أمد بعيد فهي لطالما كانت متناقضة بشأن وجود قوات الولايات المتحدة والناتو في أفغانستان، من ناحية اعترفت موسكو بالدور المستقر الذي لعبته واشنطن في البلاد على مدى السنوات 20 الماضية؛ مما أدى إلى تقييد الجماعات المتطرفة ودعم السلطات الأفغانية، وبالتالي حماية الجهة الجنوبية لروسيا.

ومن ناحية أخرى حمل الحضور العسكري الأمريكي في أفغانستان تهديدًا مباشرًا للمصالح الروسية في جمهوريات آسيا الوسطى، وزاد من نزعة التنافس الروسي الأمريكي على هذه المنطقة، وقد برز أكثر في سعي واشنطن لإقامة قواعد عسكرية في بلدان، مثل: طاجكستان وأوزبكستان لتسهيل مهمة جيشها، والتي تعتبر ضمن المجال الحيوي الروسي، وهذا ما يشكل تهديدًا مباشرًا.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان

يعتبر الليبراليون أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان فشل لأن الجيش الأمريكي هو أحد أهم وسائل تنفيذ السياسة الخارجية الامريكية وغيابه في تلك المنطقة يعني غياب التواجد الأمريكي وإفساح المجال لقوى أخرى.

حيث استهدف الغزو الأمريكي منذ البداية استئصال تنظيم القاعدة من طالبان، متبوعًا بحملة لتحويل أفغانستان إلى دولة ديمقراطية ليبرالية، ولذلك يبدو الانسحاب الأمريكي من أفغانستان خطأً فادحًا.

ولكن يقول أندرو لاثام أستاذ العلاقات الدولية بكلية «ماكاليستر» (Macalester) «يمكننا اعتبار هذا الانسحاب إيجابيًا؛ لأنه سيزعزع استقرار الجناح الجنوبي لروسيا، وبالتالي إضعاف قدرة موسكو على متابعة طموحاتها المتعلقة بالقوة العظمى في كل من آسيا الوسطى وأوروبا.

وإذا انهارت الحكومة الأفغانية وانتصرت طالبان وسعت إلى تصدير الثورة – مثل أية حركة ثورية – فقد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار دول آسيا الوسطى المجاورة».

دور روسيا في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة

شغلت أفغانستان على مدى قرون موقعًا مهمًا على لائحة أولويات السياسة الخارجية الروسية؛ لأن محاربة الإرهاب والتصدي له من أبرز أهداف روسيا.

حيث تعيش روسيا في منطقة محاطة بمختلف الحركات التحررية والمتمردين خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ مما جعل أمنها الحدودي دائمًا في خطر لهذا تماشيا مع الوضع الجديد سيتعين على روسيا تكريس المزيد – وربما أكثر بكثير – من الموارد العسكرية للمنطقة

وفي واقع الأمر روسيا لا يهمها من يصل إلى الحكم في أفغانستان، بل هي فقط تريد أن يبقى الوضع مستقرًا، وهي تدعم السلطة القادرة على حفظ هذا الاستقرار الذي يضبط الحركات الإرهابية الأخرى.

ويبدو أن موسكو تعتبر طالبان أقل إثارة للقلق في هذا الصدد؛ إذ ترى أن أهداف الجماعة تركز في المقام الأول على اكتساب السلطة والسيطرة داخل أفغانستان نفسها. والواقع أن المبعوث الخاص لروسيا إلى أفغانستان، زامير كابولوف، يشير إلى أنه بقدر ما يحد توسيع وتوطيد سيطرة طالبان في أفغانستان من التهديد الذي تشكله الفصائل الإسلامية المتطرفة الأخرى، فإن هذا يخدم مصالح روسيا.

ويعتبر النزاع في أفغانستان مكسبًا إستراتيجيًا مناسبًا إذا استطاعت روسيا استغلاله لبسط نفوذها كحليف مناسب ودولة عظمى قادرة على حل النزاع وتوفير الأمن لجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة.

واستعدادًا للوضع الجديد تعمل روسيا على إعادة نشاط القاعدة العسكرية الروسية في طاجكستان إلى الواجهة، والشروع بعمليات واسعة وفقًا لمصادر عسكرية لتحديثها وتطوير المعدات فيها، كونها ستلعب دورًا أساسيًا في تأمين الحدود مع أفغانستان خلال المرحلة المقبلة.

وترجح فئة كبيرة من النخب الروسية أن الانسحاب الأمريكي لن يكون كاملًا، فيمكن لواشنطن أن تستخدم قدراتها وتوجه ضربات عن بعد إلى أهداف داخل أفغانستان إذا دعت الحاجة، وهذا يعني بالنسبة لموسكو أن واشنطن لا تنسحب نهائيًا من آسيا الوسطى، وستعمل على تعزيز حضورها في المنطقة عبر نقل جزء من معداتها وقواتها إلى أوزبكستان وقيرغيزستان هذا الوضع لن يكون لصالح روسيا وهي تعمل على مراقبة الوضع عن كثب.

وستكون المهمة الأساسية لموسكو هي احتواء أية حكومة مقبلة في أفغانستان والسعي إلى تقليص المخاطر المحتملة لاستمرار الصراع، أي محاولة تقليل عدد الأطراف المتنازعة ودعم طرف واحد فقط ليتحكم في زمام الأمور، ويسيطر على كل مؤسسات الدولة.

وربما يعتبر انتصار «طالبان» الكامل شيئًا إيجابيًا، ولا يمثل خطرًا على موسكو لأنه بهذا ستضمن على الأقل أن ينصب اهتمام الحكومة الجديدة التي ستديرها «طالبان» بالكامل على الشأن الداخلي والإصلاحي المؤسساتي أي سوف تنحصر اهتماماتهم في السنوات الأولى على تثبيت الحكم والسعي إلى استقرار الوضع الداخلي بعد أن أضعفت الحرب كل الأطراف، وسينشغل مركز القرار في حل المشاكل الملحة اقتصاديًا وسياسيًا ومعيشيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد