أفريقيا وتركيا.. عمق استراتيجي جديد وشراكة دائمة

تبدي تركيا اهتمامًا خاصًا بتطوير علاقاتها مع القارة السمراء، وهو ما انعكس في الجولات المتعددة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بعض تلك الدول. إذ زار الرئيس التركي عددًا من الدول الأفريقية بلغت 39 زيارة إلى 27 دولة أفريقية خلال فترة رئاسته للحكومة، ثم رئاسته للجمهورية التركية، وهو رقم قياسي من الزيارات لزعيم غير أفريقي.

وهذه الزيارات المتكررة تعكس مدى اهتمامه بأفريقيا، وسعيه الحثيث لتوطيد الصلة بين الجمهورية التركية والقارة السمراء.

أردوغان وأفريقيا.. زيارات متواصلة واهتمام متنامٍ

– كانت الزيارة الأفريقية الأولى لـ«أدروغان»، عام 2004، عندما زار مصر حين كان رئيس الوزراء.

– وفي عام 2005، زار «أردوغان» أديس أبابا العاصمة السياسية لإثيوبيا وللقارة الأفريقية، لتتبعها زيارات في العام نفسه، شملت جنوب أفريقيا، وتونس، والمغرب.

– أما في 2006، زار أردوغان كلًّا من السودان، ومصر، والجزائر، ليعود في 2007 ويزور إثيوبيا مجددًا.

– في أعوام 2009 و2010 و2011، زار «أردوغان»، مرة واحدة على الأقل كلًّا من مصر، وليبيا، والصومال، وتونس، وجنوب أفريقيا.

– وفي 2012 و2013، زار «أردوغان»، سبع دول، هي: مصر، والغابون، والنيجر، والسنغال، والمغرب، والجزائر، وتونس.

– وبعد توليه منصب رئاسة الجمهورية، في أغسطس (آب) 2014، زار كلًّا من غينيا الاستوائية، والجزائر.

– ليعقبه في عام 2015، جولة في شرق أفريقيا، شملت كلًّا من الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا.

– أما في 2016، زار الرئيس التركي كلًّا من السنغال، وكوت ديفوار «ساحل العاج»، والصومال، وكينيا، وأوغندا، وغينيا، ونيجيريا، وغانا.

– وفي عام 2017، حطت طائرة «أردوغان» الرئاسية في كل من تنزانيا، وموزمبيق، ومدغشقر، قبل أن يختتم جولاته الأفريقية مؤخرًا بجولة شملت السودان، وتشاد، وتونس.

– وخلال هذا العام «فبراير (شباط) 2018» أجرى الرئيس أردوغان زيارة استغرقت خمسة أيام إلى أربع دول أفريقية وهي: «الجزائر، وموريتانيا، والسنغال، ومالي».

تجدر الإشارة إلى أن زيارات «أردوغان» وجولاته الأفريقية، كان لها تأثير كبير من الناحية الاقتصادية لتركيا، حتى ارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا والبلدان الأفريقية لتتجاوز 93.5 مليارات دولار بين عامي 2012 و2016.

ويمكن ترتيب أكثر الدول الأفريقية التي زارها «أردوغان» على الشكل التالي: مصر، ثم الجزائر، ثم تونس، ثم إثيوبيا، ولكن هذه الخريطة تغيرت بعض الشيء بعد الثورات المضادة، التي أتت على ثورات الربيع العربي فضيعتها في بعض الدول، مثل مصر، وليبيا، واليمن، وحيدتها ونحتها جانبًا بعض الشيء، مثل ما حدث في تونس، فتقدمت دول مثل السودان، والصومال، وتونس، والجزائر على أجندة السياسة الخارجية التركية، وتراجعت دول أخرى مثل مصر على الأجندة ذاتها.

ويأتي هذا الاهتمام التركي بأفريقيا في سياق خيار الانفتاح الذي انتهجته تركيا منذ سنة 2002 في سياستها الخارجية، وسعيها إلى أن تكون حاضرة في كل مناطق النفوذ المختلفة في العالم؛ للاستفادة من هذه المناطق، سواء أكان على المستوى الاقتصادي، أم على المستوى الاستراتيجي.

وبغض النظر عن العلاقات التاريخية القديمة بين تركيا والقارة الأفريقية في العهد العثماني، فإن أفريقيا باتت تمثل خيارًا استراتيجيًّا مهمًّا بالنسبة إلى تركيا الجديدة؛ لما تتميز به القارة من ثراء في الثروات الطبيعية الهائلة، وكذلك لأهمية هذه القارة من الناحية الاستراتيجية في سياق الصراع الجيوستراتيجي بين القوى الإقليمية والدولية.

أهمية القارة الأفريقية بالنسبة إلى تركيا

انتبهت تركيا مبكرًا إلى الأهمية الكبرى التي تتميز بها القارة الأفريقية من الناحية الاقتصادية، ومن الناحية الاستراتيجية، وعلى أن القارة الأفريقية تعد مجالًا حيويًّا يمكن أن يساهم في تفعيل الدور الدبلوماسي والاقتصادي لتركيا إقليميًّا، ودوليًّا، ويعطيها قدرة على لعب دور مؤثر في المنطقة.

وتنظر تركيا إلى أفريقيا على أنها القارة الأهم التي تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، يتحكم في الطرق المائية الدولية، ويتحكم في كل المضائق الذي تعبر منها التجارة العالمية، ولعل قناة السويس تأتي في مقدمة المنافذ المائية الكبرى، التي ظلت لسنوات المنفذ الأهم في العالم الذي يتحكم في سياسة الخارطة الجيوسياسية، والاقتصادية في السياسة الدولية، كما نجد مضيق باب المندب الذي لا يقل أهمية عن قناة السويس، بل ربما يمثل أهمية أكثر منها، بوصفه يتحكم في مدخل قناة السويس، ولعل هذا ما يفسر احتدام الصراع في اليمن بين القوى الإقليمية والدولية.

وهناك مضيق آخر مهم جدًّا بالنسبة إلى تركيا تتميز به القارة الأفريقية، وهو مضيق جبل طارق الذي يربط بين القارة الأوروبية والقارة الأفريقية، وهو معبر مائي مهم على المحيط الأطلسي، ويوصل إلى القارة الأمريكية، والأهم يوصل إلى غرب القارة الأفريقية الغنية بالثروات البحرية، وبموقعها الاستراتيجي في المجال الاقتصادي الحيوي، إضافة إلى كونه المعبر المائي الأهم في الجهة الشمالية الغربية للقارة الأفريقية، مما يجعل تركيا توليه أهمية كبرى، خصوصًا أن هناك دولًا أوروبية، خصوصًا فرنسا، وإنجلترا، تريدان التحكم في هذا المضيق الحيوي المهم على مستوى النشاط الاقتصادي، وعلى مستوى الخارطة الجيوستراتيجية في العالم.

كما تأتي أهمية القارة الأفريقية بالنسبة إلى تركيا على اعتبار أن هذه القارة غنية بثرواتها الطبيعية المختلفة، خصوصًا النفط، والفوسفات، واليورانيوم، والذهب، والنحاس، والحديد، وغيرها من الثروات الطبيعية التي لا تتوفر في بقية القارات الأخرى في العالم، وهذا ما يجعل تركيا تولي هذه القارة أهمية كبرى، ولعل زيارة أردوغان للسودان والتشاد وتونس تعد واحدة من الخطوات المهمة التي تخطوها تركيا لكي تكون لاعبًا مهمًّا في الساحة الأفريقية التي تشهد تنافسًا كبيرًا بين عدة قوى دولية تحاول الاستفادة من هذه القارة الثرية من حيث المصادر الطبيعية المختلفة، وكذلك من حيث أهمية موقعها الاستراتيجي.

تركيا وأفريقيا.. شراكة دائمة ومصالح متبادلة

تشهد أفريقيا في الوقت الراهن تغيرًا هائلًا. وهذا التحول الإيجابي يحركه العمل الجاد والمرونة والمثابرة من جانب الأفارقة شبابًا وكبارًا، وهم مصممون على طي صفحة الفقر إلى الأبد، والبدء في مرحلة جديدة قائمة على العمل، والإنتاج، والإبداع.

لتُفتح للقارة السمراء أفاق جديدة تغير من حاضرها، وتبني مستقبلها بيد أبنائها، لا بيد مستعمر ينهب ثرواتها ويعطي لأبنائها الفتات، ولا بيد حاكم مستبد يملك من العمالة للخارج ما يؤهله لتخريب أرضها، وتبديد ثروات أبنائها، وتدمير مستقبل أجيالها القادمة.

لذلك كتب وزير الخارجية التركية مولود شاويش أوغلوا في منتصف العام الماضي في مجلة إثيوبيان هيرالد:

«لدينا كل الأسباب التي تدعونا للإيمان بأن مستقبل أفريقيا يبدو واعدًا. في الواقع، يمكننا أن نرى الزخم الإيجابي الذي انعكس من خلال انخفاض المخاطر الجيوسياسية، والاستقرار الدائم، والنمو الاقتصادي، وتوسيع التجارة، وتعزيز الرفاه، وتحسين ظروف المعيشة في جميع أنحاء القارة. وما تزال هناك تحديات تواجه السلم والأمن. ولكن يمكن بالتأكيد التغلب عليها.

ونحن إذ نتطلع إلى المستقبل، فإن تركيا مصممة أكثر من أي وقت مضى على توسيع تعاونها مع أفريقيا في مجالات جديدة. ونحن نسعى إلى إقامة شراكات مفيدة للطرفين من شأنها أن تساعد في بناء أساس متين للعلاقات المثمرة طويلة الأمد. وعلى عكس القوى الاستعمارية السابقة، فإن التاريخ في صالحنا؛ لأن العنصر البشري موجود.

تركيا لها علاقات تاريخية وثقافية عميقة الجذور مع القارة، يعود تاريخها إلى عهد الإمبراطورية العثمانية. ونحن نتطلع أيضًا إلى البناء على العنصر البشري، من خلال تشجيع الناس على الاتصال بالآخرين. وقد أضافت شركة الخطوط الجوية التركية أخيرا «كوناكري» إلى شبكة وجهاتها في القارة الأفريقية لتصبح الوجهة رقم 51 لها في القارة. كما أننا نسهل النقل من وإلى 32 بلدًا في القارة، ونشجع أيضًا تفاعل الأفارقة مع تركيا ومع العالم أيضًا».

الشراكة الاقتصادية بين تركيا وأفريقيا

صرح وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلوا بالقول: «إن ما أراه ملائمًا تمامًا لمستقبل أفريقيا هو تنميتها الاقتصادية المستدامة. في هذه اللحظة الحاسمة من التغيير، نشعر بأن تركيا هي الأنسب لتقاسم خبراتها مع القارة، والمضي قدمًا في نموذج التعاون الاقتصادي الذي يقوم على سيناريو «الجميع رابح» بدلًا من لعبة المجموع الصفري التي تنتج الفائزين والخاسرين».

وليس هذا فحسب، بل إن الاستثمارات التركية في أفريقيا تتزايد تزايدًا ملحوظًا. إذ تجاوزت الاستثمارات التركية عمومًا في أفريقيا 6 مليارات دولار أمريكي في منتصف عام 2017. وتوفر هذه الاستثمارات الوظائف التي تحتاجها القارة بشدة، والبنية الأساسية، ومساعدة الاقتصادات المحلية، وزيادة صادرات المنتجات النهائية من أفريقيا إلى بلدان ثالثة.

كما بلغ التبادل التجاري بين القارة وتركيا 16.8 مليار دولار أمريكي في عام 2016، مما يدل على أن حجم التجارة مع أفريقيا زاد أربعة أضعاف مقارنة بعام 2003. ونسعى أيضًا إلى المساهمة في تنفيذ الاتحاد الأفريقي «خطة عام 2063» للتنمية الاقتصادية، وذلك بتنظيم اجتماعات وزارية في مجالات مثل قطاعي الأعمال والزراعة، بالتزامن مع حلقات نقاشية تجمع بين رجال الأعمال الأتراك والأفارقة.

تركيا والأزمات الإنسانية في أفريقيا

تعد تركيا في طليعة الدول التي تقدم المعونة الإنسانية والإنمائية إلى أفريقيا، إذ تشارك تركيا أيضًا بنشاط في التغلب على الأزمات الإنسانية في أفريقيا. وتشكل مشاركتها الطويلة الأمد في الصومال منذ عام 2011 مثالًا ممتازًا على ذلك.

فعلى سبيل المثال، عندما وقعت حالات الجفاف الأخيرة التي ضربت شرق أفريقيا، أطلق الهلال الأحمر التركي في أوائل مارس (آذار) حملة تبرعات وطنية بعنوان «كن أمل الإنسانية». وكخطوة أولى في هذه الحملة، بدأ الهلال الأحمر التركي والوكالة التركية للتعاون الدولي بالتنسيق في تقديم المساعدات إلى المتضررين بشدة في الصومال. على أنه من الضروري إيجاد حلول دائمة لكسر الحلقة المفرغة من الجفاف والمجاعة. لذلك، وبصفتنا رئيسًا للدورة الحالية لمنظمة التعاون الإسلامي، فقد قدنا مبادرة لدعم بلدان شرق أفريقيا التي تعاني من الجفاف بمشاريع مستدامة تنفذها المنظمة.

إضافة إلى الجهود الكبيرة التي تقدمها وكالة تيكا، وهي «الوكالة التركية المسؤولة عن تنفيذ برامج المساعدة الإنمائية»، فمن بين 48 بلدًا هي الأقل نموًّا في العالم هناك 34 بلدًا أفريقيًّا يصل الدخل اليومي للفرد فيها إلى أقل من دولار واحد. ومنذ عام 2011 التزمت تركيا بتقديم 200 مليون دولار سنويًّا للبلدان الأقل نموًّا، وقدمت خلال خمس سنوات ما مجموعه 1.6 مليار دولار، وفي عام 2015 صارت تركيا ثاني أكبر دولة مانحة للمساعدات الإنسانية في العالم، متفوقة بذلك على كثير من الدول المتقدمة. وعلى الرغم من أنها تحتل المرتبة 18 من جهة أكبر اقتصاد في العالم، فإن تركيا تحتل المرتبة الأولى عالميًّا من حيث المساعدات الإنسانية التي تقدمها، بالقياس إلى دخلها القومي، وكأن تركيا ترسل رسالة للعالم مضمونها أن هناك دبلوماسية جديدة تسمى «الدبلوماسية الإنسانية».

تركيا من سياسة الانفتاح على أفريقيا إلى الشراكة الاستراتيجية

خلال السنوات الأخيرة خطت تركيا خطوات كبيرة نحو تطوير علاقات متعددة الأبعاد والأطراف مع الدول الأفريقية.

فعندما أعلن الاتحاد الأفريقي تركيا شريكًا استراتيجيًّا لم تعد السياسة التركية مجرد انفتاح، ولكنها صارت بداية فترة من الشراكة الاستراتيجية. فكان نجاح تركيا كبيرًا في الوصول إلى هذا المستوى في العلاقات خلال فترة قصير للغاية، وهو نجاح لم يتحقق من قبل خلال تاريخ الجمهورية التركية.

فتركيا اليوم تملك ثاني أكبر تمثيل دبلوماسي في أفريقيا من أنشطتها في مجال التعاون الإنمائي في القارة مع وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا». وكجزء متمم للسياسة الخارجية النشطة افتتحت تيكا أول مكتب لها في إثيوبيا عام 2005، وصارت تعمل في 54 بلدًا أفريقيًّا، وارتفع عدد مكاتبها إلى 21 مكتبًا خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 10 سنوات. وبفضل أنشطة تيكا تطورت العلاقات بين تركيا وأفريقيا، وتحقق تقدمًا كبيرًا في إنشاء البنى التحتية اللازمة لتنمية القارة.

لماذا تسعى تركيا لتطوير علاقتها بالقارة السمراء؟

تبدي تركيا اهتمامًا خاصًا بتطوير علاقاتها مع الدول الأفريقية، وهو ما انعكس في الجولات المتعددة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بعض تلك الدول.

ورغم أهمية المتغير الاقتصادي في تفسير أسباب هذا الاهتمام، فإنه لا ينفي أن ثمة عوامل أخرى كان لها دور رئيسي في هذا السياق، على غرار اتساع نطاق الخلافات بين تركيا، وبعض القوى الإقليمية والدولية المعنية بأزمات منطقة الشرق الأوسط.

ويمكن تفسير أسباب اهتمام تركيا بتطوير علاقاتها مع الدول الأفريقية في ضوء عوامل عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- تأسيس شراكة استراتيجية: وهو ما عبرت عنه خطوات عديدة اتخذتها أنقرة في الفترة الماضية. فقد أعلنت 2005 عام أفريقيا، وعقد أول مؤتمر للشراكة التركية- الأفريقية بإسطنبول في عام 2008، إذ حصلت تركيا على وضع الشريك الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي. كما عقدت القمة التركية- الأفريقية الثانية في غينيا الاستوائية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، ويخطط الجانبان لعقد قمة ثالثة بتركيا في عام 2019.

وكان لافتًا أن جولة أردوغان في بداية العام تزامنت مع مرور 10 أعوام على حصول تركيا على وضع الشريك الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي، إذ سبقتها استضافة إسطنبول يومي 11 و12 فبراير 2018 للمؤتمر الوزاري الثاني لمراجعة الشراكة بين تركيا وأفريقيا.

2- استيعاب الضغوط: تسعى تركيا نحو تأسيس علاقات مع أقاليم مختلفة من القارة الأفريقية، إذ تضمنت الجولة الأخيرة لأردوغان زيارة دول من الشمال الأفريقي، على غرار الجزائر، التي وصفها بأنها «جزيرة استقرار سياسي واقتصادي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا». كما امتدت لتشمل دولتين من غرب أفريقيا، وهما السنغال ومالي.

ويبدو من خلال ذلك أن تركيا تحاول عبر تطوير علاقاتها مع دول القارة استيعاب الضغوط القوية، التي يفرضها وصول التوتر مع القوى الدولية المعنية بأزمات المنطقة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إلى مرحلة غير مسبوقة، نتيجة التباين في التعامل مع العديد من الملفات الإقليمية التي تحظى باهتمام مشترك.

3- توسيع نطاق التعاون الاقتصادي: تحاول تركيا رفع مستوى العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية، خاصة أن بعض تلك الدول دخلت قائمة الاقتصادات الأسرع نموًّا على مستوى العالم، فضلًا عن أن القارة تمتلك إمكانات جاذبة للشراكة الاقتصادية، سواء على مستوى التبادل التجاري أو على صعيد التدفق الاستثماري، في ظل اتساع السوق الأفريقية وتزايد معدلات القوة الشرائية.

وتعد الجزائر الشريك التجاري الأول لتركيا في أفريقيا، إذ تأتي في المرتبة الرابعة للدول المُصدِّرة للغاز إلى تركيا، بعد كل من روسيا، وأذربيجان، وإيران. وحسب تقديرات عديدة، تمثل صادرات الطاقة نحو 97% من جملة الصادرات الجزائرية إلى تركيا. ومن هنا يمكن تفسير أسباب اهتمام أنقرة والجزائر بإبرام سبع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات عديدة، شملت الدبلوماسية، والنفط، والغاز، والزراعة، والسياحة، والتعليم العالي، خلال الزيارة الأخيرة لأردوغان.

وقد طالب أردوغان رئيس وزراءه بينالي يلدريم، خلال اجتماعات مجلس رجال أعمال البلدين، بضرورة رفع حجم التبادل التجاري من 3.5 مليار دولار حاليًا إلى 5 مليارات دولار مرحلة أولى، وصولًا إلى 10 مليارات دولار بعد ذلك. ووفقًا لبيانات الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار في الجزائر، فإن تركيا تتصدر قائمة الاستثمارات الأجنبية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2017.

وحسب تقارير عديدة، وقعت تركيا والسنغال على 28 اتفاقية، فيما وصل حجم التبادل التجاري بين الدولتين إلى 430 مليون دولار سنويًّا. وأبرمت تركيا ومالي ثماني اتفاقيات، شملت مجالات تعزيز الاستثمار والتعاون في تكنولوجيا المعلومات، والطاقة، والهيدروكربونات، والمناجم، والمعادن، والصحة، والتعليم، والرياضة، والخدمات الدينية.

4- تعميق التعاون العسكري: تسعى أنقرة إلى تطوير علاقاتها العسكرية مع بعض الدول الأفريقية، على نحو انعكس في افتتاح القاعدة العسكرية التركية بالصومال في سبتمبر (أيلول) 2017، والتي تضم ثلاث مدارس للتدريب العسكري، إلى جانب مخازن للأسلحة والذخيرة، وبلغت تكلفتها المالية ما يقرب من 50 مليون دولار.

5- محاصرة حركة «جولن»: تمثل محاصرة حركة «خدمة» التي أسسها فتح الله جولن محورًا رئيسيًّا في جدول أعمال أردوغان خلال زياراته للدول الأفريقية، التي شهدت نشاطًا ملحوظًا للحركة خلال الفترة الماضية. وقد دعا أردوغان إلى إغلاق المؤسسات التابعة للحركة، وهو ما تجاوبت معه بعض الدول الأفريقية، فيما توصلت دول أخرى إلى اتفاق مع تركيا على نقل إدارتها إلى المؤسسات التابعة للأخيرة.

عقبات مختلفة تواجه تركيا في تطوير علاقتها بالقارة السمراء

تواجه مساعي تركيا لتطوير علاقاتها مع الدول الأفريقية عقبات عديدة لا تبدو هينة.

يتمثل أولها: في تزايد التحفظات التي تبديها العديد من الاتجاهات داخل دول القارة، إزاء الأهداف التي تسعى تركيا إلى تحقيقها من خلال ذلك، وحرصها على استخدام آليات أيديولوجية وتاريخية في هذا السياق، على نحو أدى إلى تصاعد حدة الجدل بين بعض التيارات الليبرالية والإسلامية داخل عدد من تلك الدول، تجاه المسارات المحتملة للعلاقات مع تركيا.

وقد بدا ذلك جليًّا في الجزائر، إذ رفضت تيارات علمانية زيارة أردوغان ورأت أنه «غير مرحب به» بسبب الإجراءات التي اتخذها تجاه القوى المعارضة له، فيما استعادت اتجاهات أخرى الذاكرة التاريخية لوصف السياسة التركية في سياق تحفظاتها العديدة إزاءها، في حين أبدت حركة «مجتمع السلم» ترحيبها بالزيارة، واستنكرت بالتوازي مع ذلك «الابتهاج» بالزيارة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر (كانون الثاني) 2017.

وينصرف ثانيها: إلى تزايد المخاوف الأفريقية تجاه احتمال انتقال الصراعات المذهبية وتعقيداتها إلى الساحة الأفريقية، لا سيما أن تركيا، على غرار دول أخرى، تسعى إلى استقطاب تيارات مؤيدة لوجودها داخل تلك الدول، من خلال تأسيس مراكز ثقافية وتعليمية، وتقديم خدمات اجتماعية في هذه الدول، بما يعني أن الاتجاهات التي تبدي تلك المخاوف ترى أن السياسة التركية كانت سببًا رئيسيًّا في تفاقم تلك الصراعات، وعرقلة جهود تسويتها.

ويتعلق ثالثها: بمدى قدرة تركيا على موازنة نفوذ العديد من القوى الدولية، على غرار فرنسا، التي تبدي بدورها اهتمامًا خاصًّا بتطوير علاقاتها مع دول القارة، وربما ترى أن الأنشطة التي تجريها أنقرة قد تؤثر على مصالحها، أو على الأقل لا تتوافق معها. وبالطبع، لا يمكن فصل ذلك عن اتساع نطاق الخلافات بين أنقرة وباريس حول بعض الملفات، وكان آخرها العملية العسكرية التي تقوم بها تركيا في عفرين، والتي أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 31 يناير (كانون الثاني) 2018، على أهمية عدم تحولها إلى «ذريعة لغزو سوريا»، وهو ما يمثل مؤشرًا جديدًا يكشف عن اتساع فجوة الثقة بين تركيا والدول الأوروبية بشكل عام خلال الفترة الماضية.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إنه رغم المساعي التي تبذلها تركيا من أجل تطوير علاقاتها مع دول القارة الأفريقية، فإن اتجاهات سياستها الخارجية التي تسببت في توسيع نطاق خلافاتها مع العديد من القوى الدولية والإقليمية المعنية بالمنطقة قد تضع حدودًا لقدرتها على تحقيق ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك