مقدمة

تاريخيًا وخلال العصور الوسطى كانت تسمى تونس «أفريقية» وقد سمى العرب تونس باسم القارة باعتبارها بوابةً لها ونافذةً نحوها حضاريًا واقتصاديًا.

Embed from Getty Images

القمة الأفريقية 10 فبراير (شباط) 2019 أديس أبابا

في السنوات الأخيرة، وفي الوقت الذي تتسارع فيه الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والولايات الأمريكية وتركيا والكيان الصهيوني وحتى مصر والسودان والمغرب والجزائر لعقد شراكات مع دول أفريقيا جنوب الصحراء لما تمثله هذه الدول من فرص اقتصادية وسياسية هامة، مازالت بوابة أفريقيا تخطو بخطوات بطيئة نحو ذلك.

شارك الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في القمة الأفريقية الأخيرة بأديس أبابا، وكان له خلالها نشاط دبلوماسي مكثف في محاولة للبحث عن فرص تمكن تونس من استرجاع دورها المحوري في أفريقيا.

فرص هامة في أفريقيا

منجم ألماس في تنزانيا

رغم حالة الفقر وما يتميز به عدد من الدول الأفريقية من انتشار للأوبئة والظواهر الاجتماعية السلبية على غرار الهجرة غير النظامية، تمثل أفريقيا جنوب الصحراء واجهة استراتيجية للاستثمار حيث يبلغ عدد سكانها 1.2 مليار نسمة أي ما يمثل 14.8% من سكان العالم، كما تمسح القارة الأفريقية 30.2 مليون كيلومتر مربع وتضم 54 دولة وتنتج النسبة الأهم من الموارد الطبيعية للعالم حيث انتجت سنة2011 9 مليار 4 آلاف برميل من البترول ووفرت سنة 2007 6,5% من إجمالي الغاز الطبيعي حول العالم وتشارك بأكثر من 18% من إجمالي الإنتاج العالمي لليورانيوم و25% من الإنتاج العالمي للذهب وتوفر أيضًا أكثر من 40٪ من إنتاج الألماس في العالم.

تمثل هذه الأرقام وغيرها فرص لمزيد رفع معدلات التنمية في أفريقيا كما ساهمت من جعلها وجهة للاستثمار من قبل عديد الدول في السنوات الأخيرة.

علاقات تاريخية تونسية أفريقية متميزة

الحبيب بورقيبة في القمة التأسيسية لمنظمة الوحدة الأفريقية

يجمع تونس بعمقها الأفريقي علاقات تاريخية جيدة، حيث ساندت السلط التونسية، منذ عهد الرئيس بورقيبة حركات التحرر في أفريقيا، خاصة في جنوب أفريقيا وناميبيا والموزمبيق.. كما  ساهمت في تحرير جملة من الدول الأفريقية من الاحتلال عبر التعريف بقضاياها في المنابر العالمية، وعملت على انضمام عدد من الدول الأفريقية إلى الأمم المتحدة.

ساهمت تونس أيضًا  في المجهود الأفريقي والدولي لحفظ السلام وتأمين المحطات الكبرى التي مرت بها عدد من دول القارة عبر المشاركة في بعثات دبلوماسية وعسكرية أممية، وتعد تونس أيضًا من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية في 22 مايو (أيار) 1963 وفي تحول المنظمة إلى الاتحاد الأفريقي لاحقـا في 9 يوليو (تموز) 2002.

تونس حاضنة علمية وواجهة استشفائية للأفارقة

تمثل تونس محضنة لتخريج الإطارات الأكاديمية لأفريقيا حيث تستقبل منذ أواسط التسعينات عددًا هامًا من الطلاب الأفارقة، ويمثل عددهم ثلث طلاب الجامعات الخاصة التونسية، أي ما يقارب 20 ألف طالب.

يمثل التعليم الديني الزيتوني أحد أهم الاختصاصات التي تستقطب الطلبة الأفارقة لما تتميز به مناهجها من اعتدال ووسطية، كما فتحت تونس في السنوات الأخيرة اختصاصات جديدة في المؤسسات الجامعية العمومية والخاصة لاستقطاب الطلبة الأفارقة على غرار الهندسة والطب وعلوم الإعلامية.

عرف عدد الوافدين من الطلاب الأفارقة لتونس في السنوات الأخيرة  تراجعًا مهمًا، ويعود ذلك حسب المختصين إلى عدم سهولة إجراءات الحصول على التأشيرة والإقامة مقارنة بدول أخرى تنافس تونس في هذا المجال، وخاصة المغرب، وأيضًا بسبب ما تعرض له الطلبة الأفارقة من ممارسات عنصرية في السنوات الأخيرة.

تعتبر تونس أيضًا من الواجهات الاستشفائية الهامة للأفارقة لما تتميز  به الخدمات الصحية فيها من جودة وما يتوفر فيها من كفاءات طبية مقارنة بباقي دول الإقليم.

الممارسات العنصرية عائق من عوائق الاندماج

راج  مؤخرًا خبر وفاة شاب إيفواري في تونس بسبب الاستغلال المفرط في العمل والاحتجاز، فكان خبرًا صادمًا، رغم أنه يعود لفترة سابقة، وقد تم اتخاذ الإجراءات القانونية الضرورية في شأن الجاني حسب تصريح الناطق الرسمي باسم محاكم صفاقس.

تعود أطوار الحادثة إلى عمد رجل أعمال تونسي في محافظة صفاقس احتجاز عمال من الكوت ديفوار والكاميرون بطريقة غير قانونية وسحب جوازات سفرهم واستغلالهم بطريقة غير إنسانية للعمل في مصنع مواد حديدية؛ مما أدى لوفاة أحدهم.

ليست الحادثة الأولى في تونس، خاصة في السنوات الأخيرة، مع انتشار ظاهرة تشغيل العمال الأفارقة بشكل واسع في البلاد، حيث يطفو على الساحة كل مرة خبر يتعلق بممارسات عنصرية في حق الأفارقة، ويبلغ عدد الأفارقة الذين يشتغلون بشكل غير قانوني أكثر من 10 آلاف عامل وفق تصريح  مديرة منظمة تونس أرض اللجوء شريفة الرياحي.

تزايدت تشكيات الأفارقة بسبب ما يتعرضون له من مضايقات واعتداءات عنصرية بشكل متواتر، مثل هذه الحوادث وغيرها ساهمت في المساس بصورة تونس لدى أشقائها الأفارقة، رغم تأكيد التونسيون المتواصل على عزلة هذه الحوادث وعدم تمثيلها لتونس التي تعد من الدول الرائدة في مقاومة العبودية وأول بلد مسلم ألغى العبودية، فمنذ ما يزيد عن 173 سنة انتصرت تونس لمعاداة مختلف أشكال الاستعباد وتكريس المساواة بين المواطنين، فمنعت كل أشكال الإتجار بالبشر، وهدمت كل محلات بيع العبيد، وعاقبت من يعمد لمخالفة أمر منع الرق الذي جاء في فصله الأول: لا عبوديّة بمملكتنا، ولا يجوز وقوعها فيها، فكلّ إنسان حرّ مهما كان جنسه أو لونه، ومن يقع عليه ما يمنع حريّته أو يخالفها، فله أن يرفع أمره للمحاكم.

الثورة تكرس توجهات لكسر حواجز اندماج تونس في عمقها الأفريقي

رغم ما تميزت به فترة ما بعد ثورة الحرية والكرامة من هشاشة على مستوى مؤسسات الدولة فإن خط التوجه نحو العمق الأفريقي كان ثابتًا، فعملت الحكومات التونسية المتعاقبة على محاولة كسر الحواجز المعيقة عبر جملة من الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية.

الانفتاح الدبلوماسي على أفريقيا

تضاعف اثر الثورة عدد السفارات التونسية بدول أفريقيا جنوب الصحراء ليبلغ 10 سفارات بعد أن كان عددها خمس قبل ذلك، كما تساهم كتابة الدولة للدبلوماسية الاقتصادية المحدثة منذ 2012 في تنشيط الدبلوماسية الاقتصادية لتونس مع دول أفريقيا، وهذا بالإضافة على حرص تونس على الحضور في كل القمم الأفريقية، والتمثيل في مختلف المنظمات الأفريقية، حيث تم انتخاب البرلمانية التونسية جميلة الكسيكسي رئيسة للمجموعة النسائية بالبرلمان الأفريقي، وانتخب رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري عبد المجيد الزار رئيسا للمنظمة الأفريقية للفلاحين.

أفريقيا واجهة اقتصادية جديدة لتونس

يتميز الصينيون والفرنسيون واللبنانيين والمغاربة المتوجهون للاستثمار في أفريقيا بدعم بلدانهم وروح المغامرة، عكس المستثمر التونسي وخاصة مؤسساته البنكية التي تتميز بتوجهها المحافظ وغياب ثقافة المغامرة في الاستثمار، خاصة بالدول التي تتميز بضعف الاستقرار الأمني.

عرفت تونس في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل التراجع الذي تشهده دول الاتحاد الأوروبي الشريك التقليدي للبلاد، توجهًا جديدًا نحو تنويع الشراكات والبحث عن أسواق الجديدة، وتعد أفريقيا جنوب الصحراء من أهم هذه الواجهات، حيث رفعت من عدد رحلات الخطوط التونسية ووجهات رحلاتها الجوية المباشرة نحو أفريقيا كما أحدثت خطًا بحريًا نحو الدول الأفريقية، وأقرت تشجيعات اقتصادية للاستثمار في القارة السمراء، وأسست مجلس رجال الأعمال التونسي الأفريقي، لتتوج هذه الخطوات بـانضمام تونس في السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي الكوميسا في شهر يونيو (حزيران) 2018.

قانون القضاء على جميع أنواع التمييز العنصري خطوة نحو مزيد رفع حواجر التجذر في العمق الأفريقي

في خطوة نحو مزيد الحد من جرائم العنصرية والتمييز في المجتمع التونسي، أقر دستور البلاد الجديد الذي جاء في توطئته مناهضة كل أشكال الاحتلال والعنصرية، وهو ما حققه القانون الأساسي عدد 50/2018 المتعلق بالقضاء على جميع أنواع التمييز العنصري الصادر بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، والذي يعتبر الأول من نوعه في العالم العربي، والثاني أفريقيًا، وليعد خطوة إيجابية نحو مزيد من رفع حواجز تجذر تونس في عمقها الأفريقي.

اعتبرت النائبة بمجلس نواب الشعب، ورئيسة المجموعة النسائية بالبرلمان الأفريقي جميلة الكسيكسي دبش هذا القانون منعرجًا تاريخيًا؛ لأنه جاء نتيجة تضحيات أجيال من الحقوقيين العاملين في مجال مكافحة التمييز العنصري، معتبرة أن القانون الجديد يؤكد اعتراف تونس بوجود العنصرية في مجتمعنا ويجرم كل أنواع التمييز العنصري وقد جاء بالفصل الثاني من هذا القانون: يقصد بالتمييز العنصري على معنى هذا القانون كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري.

ويعاقب كل مخالف لهذا القانون بالسجن لفترة ادناها سنة وأقصاها ثلاث سنوات كما تبلغ الخطايا المالية للمخالفين ثلاثة آلاف دينار تونسي، وفي جواب على: هل القانون وحده كاف للحد من العنصرية؟ كان جواب السيدة جميلة الكسيسكسي كالتالي:

«تظل القوانين  أحد أهم آليات التغيير ولكنها غير كافية وخاصة تلك التي لها طبيعة مجتمعية ويتداخل فيها الحقوقي والمجتمعي والنفسي والثقافي».

مضيفة بأنه لا بد من صياغة سياسات عمومية فعالة لتطبيق القانون من أجل القضاء على الظاهرة، كما يجب أن يكون هناك حراك مدني يستهدف تغيير الثقافة والعقليات، فلا يمكن أن نغير المجتمع بمجرد إصدار قانون، وفي المقابل لا يمكن إحداث تغيير داخل المجتمع دون قوانين، تلك هي المعادلة التي تأكد أن القانون غير كاف لوحده، ولكن من دونه لن يتغير شيء.

الحل القانوني وحده لا يكفي، إذ يجب إسناده بسياسات عمومية في الجانب الثقافي والتربوي، كالعمل على إدراج مبادئ مكافحة التمييز العنصري في المناهج التربوية والتعليمية والتحسيس بمخاطر في مختلف فضاءات المجتمع وتنشئة الأطفال على قيم احترام الآخر المختلف، بالإضافة الى ضرورة مواصلة المجتمع المدني النضال لإنهاء هذه الظواهر.

يبقى الجهد المبذول من قبل السلط التونسية لتحقيق دبلوماسية نشطة في أفريقيا تمكنها من استرجاع مكانتها وتحقق لها مزايا اقتصادية وسياسية هامة جهدًا منقوصًا يستوجب دعمه بإقرار استراتيجية وطنية واضحة تشارك في صياغتها كل الأطراف، ويعمل على تنزيل أهدافها جميع المتداخلين بجدية ومسؤولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد