يُحكى أن رجلًا أبيض البشرة عشق فتاةً سمراء، وقرر الارتباط بها رغم رفضها وجميع أهلها لهذا الارتباط. ليس هذا فقط؛ ولكنه قرر أيضًا ألا يتركها تحيا دونه. فإما أن تُساق إليه راغمةً وإما أن تموت، وحتى حينها لن يُسمح لأحدٍ أن يرثها دونه.

تلك ليست أسطورة، وليست رواية، أو حتى أحد الأعمال التي تُدعى بالفنية هذه الأيام التي تشوه فيها كل جميل. ولكنها؛ قصة حقيقة نعيشها وتعيشها قارة بأكملها، تلك القارة السمراء التي خلبت لبَّ مُحتلٍ غاصب أراد امتلاكها بالقوة، حتى وإن اضطر لقتلها وإرثها. إنها أفريقيا؛ قارتنا السمراء الجميلة.

السمراء والأبيض

في أواخر القرن التاسع عشر، اشتركت القوى الإمبريالية واحتلت معظم القارة، ولم يتركوا سوى دولتين مستقلتين فقط: ليبيريا، وهي دولة مستقلة نسبيًّا جرت تسوية أوضاعها من خلال الأمريكيين من أصول أفريقية؛ وإثيوبيا المسيحية الأرثوذكسية (المعروفة حينها بالحبشة). وقد استمر الحكم الاستعماري من قِبل الأوروبيين حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما حصلت كافة الدول المحتلة تدريجيًّا على استقلالها الرَسمي.

وقد اكتسبت حركات الاستقلال في أفريقيا زخمًا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى إضعاف القوى الأوروبية الكبرى. وفي عام 1951 حصلت ليبيا – المستعمرة الإيطالية السابقة- على استقلالها. في عام 1956 حصلت كلٌ من تونس والمغرب على استقلالهما عن فرنسا وفي العام نفسه حصل السودان على استقلاله من المملكة المتحدة. وتبعتهما غانا في العام التالي لتصبح أول دولة مستعمرة من جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا تحصل على استقلالها. بينما حصلت معظم بقية دول القارة على استقلالها على مدى العقد التالي، وحصلت عليه في معظم الأحيان عن طريق الوسائل السلمية نسبيًّا، إلا أنه لم يتحقق في بعض البلدان، ولاسيما مصر والجزائر، إلا بعد صراع عنيف. وعلى الرغم من أن جنوب أفريقيا كانت من أوائل الدول الأفريقية حصولًا على الاستقلال، فقد ظلت تحت حكم المستوطنين البيض حتى عام 1994، فيما عُرف باتفاقية الفصل العنصري. وبالرغم من خروج المستعمر من الأراضي الأفريقية؛ فإنه لم يتركها أبدًا، فقد ظل مُتحكمًا بمفاصلها، مُسيطرًا ينعم بخيراتها.

الثورة في ميزان الرجل الأبيض

للدولة الثورية مكانتها في دراسة العلاقات الدولية، من حيث تأثيراتها في السلوك الخارجي والآثار التفتيتية للثورات على النظام الدولي. ومن ثمَّ؛ لطالما سعى النظام الدولي إلى تطوير قدرته على ترويض دول الثورات عقب تولِّي المجموعة الثورية الحكم ليدفعها في النهاية إلى التصرف كدولة في النظام الدولي. وبالرغم من كون الثورات ليست السبب الأهم للصراع الدولي؛ فإن نسبة حدوث الحروب في الدول التي شهدت تغيرًا للنظام من خلال ثورة هي ضعفها في الدول التي يحدث فيها هذا التغير من خلال العملية السياسية.

لماذا تحدث الحروب؟!

الدول فواعل راشدة تسعى إلى البقاء، لأنه لا توجد سلطة مركزية سيادية تقوم على حمايتها، فالسياسات الدولية قائمة على نظام الحماية الذاتية الذي يعد الأمن هدفه الأعلى. وتسعى الدول لزيادة قوتها النسبية دون أن تستثير الآخرين بالشكل الذي يجعل وضعها في ميزان القوى أسوأ، سواء تم ذلك بزيادة قوتها أو إضعاف قوة الآخرين، وتنشب الحرب عندما تُقدم الدول على استغلال حالات عدم توازن القوى لتحسين مواقفها الدولية، أو بسبب حسابات خاطئة بأن توازن القوى في صالحها. وهكذا تكون الثورة مُسببة للحرب بإحدى طريقتين: إما أن تنتج الثورة فرص جديدة للدول لزيادة قدراتها فتغير من حالة توازن القوى بشكل يغريها لاستغلال هذه الفرصة في الهجوم على دول أخرى أو العكس بأن تُضعفها الثورة بشكل يدعو الآخرين للهجوم عليها.

وهناك تفسير آخر لدخول الدول في الحرب استجابةً للتهديدات، والقوة مكون مهم من مكونات التهديد إلا أنها ليست المكون الوحيد، فهناك عاملان آخران تأخذهما الدول بعين الاعتبار حين تنظر إلى أمنها وحين تقرر ما إذا كان خوض الحرب سيدعم أمنها أم لا، وهما: القوة الهجومية للدولة: والتي كلما كانت أكبر كان تهديدها لغيرها من الدول أكبر، ونوايا الدول الأخرى: فلو غلب على إحدى الدول النوايا العدوانية فإن ضحاياها المحتملين سيكونون أكثر رغبة في التقليل من قوتها أو حتى التخلص منها نهائيًّا.

وبالنسبة للثورات فبالإضافة لتغييرها توازنات القوى كليةً، وتقليلها لكفاءة الدول في حساب هذه التوازنات بدقة، فإنها تقلل من القدرات المتبادلة للدول على تقييم نوايا بعضها البعض بقدر كبير من الثقة. فالثورات تُشجع الدول على الاعتقاد في عدوانية غيرها من الدول وعلى تشكيلها مصادر للتهديد أكثر مما هي عليه بالفعل، ومن ثمَّ يصبح خيار استخدام القوة للتقليل أو التخلص من هذه التهديدات خيارًا ذا جاذبية. كما أنها تخلق نمطًا آخر من أنماط القوة الهجومية يقوم على الخوف المتبادل من الانهيار الأيديولوجي. حيث تخوف الدول الأخرى من احتمال تهديد لإطار ومبادئ أنظمة ما بعد الثورة لشرعية الدول الأخرى ونظمها السياسية. ووفقًا لنظرية توازن التهديدات فإن الثورات تزيد من احتمالات الحرب من خلال زيادة إدراكها للتهديد الأيديولوجي الذي يمثله كل جانب بالنسبة للآخر.

ربيعٌ صار خريفًا

في هذا الإطار نجد أنه لفهم الربيع الأفريقي – إن جاز استخدام هذا اللفظ للتعبير عن موجة الثورات التي اجتاحت القارة خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ فلا بد من وضعه في الإطار الدولي المناسب، الذي ما زال يُمسك فيه الرجل الأبيض بمقاليد حبيبته السمراء، فيوجِّه تحركاتها بأدواتٍ أحكم قبضته عليها، منذ زعم تركها.

فقد جاء التقسيم الاستعماري للقارة متناقضًا مع الواقع الاجتماعي الإثني للمجتمعات الأفريقية، حيث أفرز هذا التقسيم الصناعي وضعين، شكَّلا فيما بعد الأساس للبُعد الإثني في الحروب الأهلية الأفريقية، فمن ناحية جمعت الخريطة الاستعمارية داخل الدولة الواحدة جماعات لم يسبق لها العيش معًا، ولم يسبق لها التفاعل مع بعضها البعض في إطارٍ واحدٍ. ومن ناحية أخرى فصلت الحدود السياسية المصطنعة عُرى التواصل بين جماعات عرقية واحدة، وجدت نفسها فجأة تابعة لكيانات سياسية مختلفة، وهو وضع شائع الحدوث في العديد من الدول في أنحاء القارة الأفريقية، ثم مارس الاحتلال بعدها دوره الخبيث في الوقيعة بين الكيانات العرقية والإثنية غير المتجانسة؛ لضمان سيطرته وهيمنته، ترسيخًا لمبدأ «فرِّق تسد» والذي خلف مواريث سلبية الأثر في علاقات الجماعات الأفريقية بعضها ببعض، أسفرت بدورها عن ظاهرتين أخريين عرفتهما دول القارة في مرحلة الاستقلال، هما: الانقلابات، والحروب الأهلية.

فبينما شهدت دول القارة تراجعًا في معدل الانقلابات في حقبة الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين، ارتفعت معدلات الحروب الأهلية التي وصل مداها خلال منتصف التسعينيات من القرن العشرين، حيث بلغ عدد الحروب والصراعات الأهلية بالقارة نحو 15 حربًا. ومع مطلع الألفية الجديدة والقرن الحادي والعشرين خفتت حدة الحروب الأهلية، لكن سرعان ما عاودت ظاهرة الانقلابات العسكرية البروز من جديد بالتزامن مع موجة الثورات التي اجتاحت أنحاء القارة؛ فكانت الانقلابات هي أداة المستعمر الجديدة للتعامل مع أي محاولة للتحول الديمقراطي بعيدًا عنها في دول القارة.

وهكذا؛ يُمكن القول إنه منذ حاولت السمراء فك قيودها للتحرر من براثن الرجل الأبيض – الاستقلال الشكلي للدول الإفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين- ولا تزال الديمقراطية الحقيقية غائبة لا تستطيع السمراء تحقيقها، حيث لم تعجب الرجل الأبيض تلك المحاولات وهذه النزعة التحررية التي سيطرت على السمراء، فحاول بكل إصرار إفشال تلك المحاولات ببث السموم بين الإخوة وإشعال الحروب الأهلية تارةً، ودس رجاله للقيام بانقلابات عسكرية على الديمقراطيات الصاعدة تارةً أخرى. حتى تحقق له ما أراد، ونجح في كثيرٍ من الأحيان في إبعاد السمراء عن مُبتغاها، وتمكَّن من فرض وصايته عليها. لكن وفي ظل المحاولات المستمرة للسمراء من الخروج عن سيطرة هذا الغاصب؛ لا بد لها من التحرر يومًا، والانطلاق نحو مستقبلها المنشود، قويةً شامخةً أبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد