جماعات التكفير غالبًا ما تتشابه في أساليبها، سواء التربوية لأتباعها، أو الدعوية لأنصارها، أو حتى الترهيبية لأعدائها. بداية من جماعات الخوارج في صدر الإسلام، إلى جماعة المسلمين التي ابتدعها شكري مصطفى في السبعينات، وصولًا إلى المنظمات والجماعات التكفيرية الحديثة المولد والنشأة.

ولأن القاعدة الأصولية تقرر أن المشغول لا يُشغل، (وتعنى أن النفس إذا كانت مشغولة بأمر فلا يمكن شغلها بغيره)، فإن ملء عقول التابعين بالأفكار الباطلة لا يترك لهم فرصة لتعلم أو معرفة الحق. ولذلك كان عزل الأفراد عن المجتمع وملء الرؤوس بالجهل لمنع حلول العلم في العقول، هو الهم الأكبر لمؤسسي تلك الفرق التي أصابت الدين في مقتل. بالإضافة إلى أن تحريم التعليم وتكفير المدارس والقائمين عليها كان أمرًا لازمًا للحيلولة دون التحاق الأتباع بالمدارس، فلا يكون أمامهم سوى ما يوفره لهم قادة الجماعة من مصادر للعلم تخدم أهداف فكر الجماعة، وتساعد على هجر المجتمع المحلي، وتشكيل مجتمع مغلق خاص بهم، وبفكرهم الإقصائي.

وحول تطور ساحات القتال بين الغرب وتنظيم (داعش) نشر مركز مكافحة الإرهاب  التابع لأكاديمية ويست بوينت العسكرية الشهيرة بالولايات المتحدة (Combating Terrorism Center at West Point) تقريرًا هامًا في مايو (أيار) 2018 بعنوان: بوكو حرام ما وراء العناوين: تحليلات للتمرد المستمر في أفريقيا. (Boko Haram Beyond the Headlines) يناقش ساحة المعركة الجديدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتحركها إلى أفريقيا، وتنامي قوة جماعة بوكو حرام في القارة الأفريقية ما بين نيجيريا والنيجر، وتناولت مجلة الإيكونوميست البريطانية التقرير بالتحليل في 14 يوليو (تموز) 2018.

جماعة بوكو حرام النيجيرية هي إحدى تلك الصور الحديثة لجماعات التكفير، تأسست عام 2002 بزعامة شخص يدعى محمد يوسف. وكانت دعوتها الرئيسة مستمدة من اسمها الذي يعني كفر التعليم الغربي، وسرعان ما انضم لها الطلبة الذين هجروا مدارسهم ورفضوا المناهج الغربية التي تدرس فيها، ولعل من الدلالات الهامة على مدى ضحالة تفكير مؤسس تلك الجماعة هو رفضه لبعض الحقائق العلمية البسيطة، مثل: كروية الأرض، وأن المطر ينزل من سحب تكونت من بخار الماء. ورغم أن معظم ولايات الجنوب النيجيري المسلمة تطبق الشريعة فعلًا على أرضها وفي محاكمها العرفية والقبلية، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا في نظر محمد يوسف للحكم لهذه الشعوب بالإسلام، وذلك راجع بالأساس لاختلاف تفسيره للشريعة عن تفسير علماء الدين في معظم بقاع العالم.

حمى التقليد والاستنساخ أيضًا من العلامات المميزة لتلك الفرق؛ ففي عام 2004 وبعد مرور حوالي عام على إعلان ميلاد جماعة بوكو حرام عبر رفع السلاح ومهاجمة المنشآت والمصالح الحكومية في عدة مناطق نيجيرية، أسست الجماعة قاعدة لها في ولاية يوبي النيجيرية، وأطلقت على تلك القاعدة اسم أفغانستان، تيمنًا بميلاد ساحة حرب جديدة بين الإسلام والغرب. وتؤكد التقارير الواردة من المنطقة أن الجماعة تحولت لكائن متوحش تتضاءل أمامه أعمال داعش والقاعدة في أي مكان آخر.

وفي العام الماضي 2017 فقد أكثر من 10 آلاف شخص حياتهم في الصراع الدائر في تلك المنطقة بين ميليشيات بوكو حرام وبين القوات الحكومية المدعومة بالقوات الفرنسية وبعض الدول الغربية، في معارك يقول عنها قائد القوات الفرنسية هناك، أن الفوز فيها سيكون من نصيب مقاتلي الجماعة المسلحة التي انضمت لداعش منذ فترة قريبة، وأصبحت وكيلًا للتنظيم الشهير في القارة الأفريقية.

ورغم ادعاءات قادة القوات الغربية التي تعمل تحت غطاء مكافحة الإرهاب، بأنهم يحققون تقدمًا على صعيد المواجهات، فإن الجنرال الفرنسي يقرر بأن الوضع فقط لا يزداد سوءًا، ولكنه أيضًا لا يتحسن. فعدد الهجمات التي يشنها المسلحون قد ازدادت بنسبة 300% ما بين عامي 2010 و2017، في ظل إحجام الكثير من الدول الغربية عن المشاركة في العمليات العسكرية ضد التنظيم، خوفًا من التورط في حرب مفتوحة كالتي جرت في أفغانستان. ويؤكد الضباط الفرنسيون أنه بدون المزيد من القوات والجنود فإن الهزيمة أمام المسلحين هي مسألة وقت فقط.

ويعزو التقرير أسباب الفشل إلى عوامل عديدة. أهمها الفساد المنتشر في القوات الحكومية والأمنية النيجيرية، فرغم وجود أعداد كبيرة من الجنود لحماية مناطق المواجهات، إلا أن معظم تلك الأعداد هي ما يطلق عليه الخبراء بالجنود الوهميين أو الأشباح، فقيادات الجيش تصنع قوائم بأسماء ورتب تلك القوات بشكل مخالف للحقيقة على الأرض، ويروى أحد الضباط الغربيين كيف اكتشف أن كتيبة عسكرية مدون بها أسماء حوالي 150 جنديًا، ليس بها فعلًا سوى 20 شخصًا فقط، أما باقي الشخصيات فوهمية، وهي مجرد سجلات لاستلام مرتبات ومخصصات تذهب إلى جيوب القادة العسكريين بالمنطقة.

يضاف إلى الأسباب عمليات الإجلاء والتهجير لمئات الآلاف من المواطنين من ساحات القتال التي تنتشر في المناطق الحدودية بين النيجر ونيجيريا، وتجميعهم في معسكرات إيواء، أو حتى إلقائهم في العراء. هذه الأوضاع تسببت في تحويل تلك الحشود البشرية التي تعاني من سوء التغذية والإهمال إلى حاضنات تفرز جيلًا جديدًا من المسلحين المتشددين، لا يدفعهم فكر، ولا عقيدة، بل مجرد الانتقام من الدولة التي أهملتهم، ممثلة بالطبع في القوات الحكومية وكل من يقف بصفها. ويطلق عمال الإغاثة الغربيين على معسكرات الإيواء اسم مصانع إعداد الجهاديين، ويقدرون أن حوالي 71% من المنضمين حديثًا لجماعة بوكو حرام وداعش هم من الذين قاسوا سوء المعاملة من جانب القوات الحكومية، سواء في معسكرات الإيواء، أو أماكن الاحتجاز.

قد تتشابه تلك الظروف والأحداث مع مناطق أخرى في العالم الثالث، لكن على عكس ما يحدث من داعش في سوريا والعراق من محاولة إنشاء إدارات مدنية تحكم وتدير شئون المناطق التي يستولي عليها التنظيم، فإن بوكو حرام تعتنق مبدأ الفوضى، فهم يرفضون أي شكل من أشكال التنظيم الإداري أو مايسمى بالدولة المصغرة في المناطق التي يسيطرون عليها.

كذلك اشتهرت الجماعة باستغلال النساء والأطفال في صنع القنابل البشرية التي تستهدف القوات المناوئة للتنظيم. وتشير الإحصاءات الغربية إلى أن من بين 434 عملية تفجير انتحاري بين عامي 2011:2017، كان نصف المفجَّرين من النساء، بينما تعرض 135 طفل إلى وضع الأحزمة الناسفة حول أجسادهم الغضة وتفجيرهم عن بعد.

ومن العلامات المميزة لجماعة بوكو حرام جريمة خطف النساء، وخاصة التلميذات والفتيات الصغار، واستغلالهن في الأعمال العسكرية أو بيعهن كسبايا، أو حتى توزيع بعضهن كجوارٍ على المقاتلين للترويح عنهم. ولا تفرق الجماعة كثيرًا بين كون تلك الفتيات مسلمات أو غير مسلمات؛ فالجميع أمامها كفار. ويكفي ارتياد المدرسة فقط ليشكل دليل كفر عندهم ويبيح الخطف والسبي، بل الذبح لمجرد محاولة نيل قسط من التعليم.

وبعيدًا عن الردود سابقة التجهيز من البعض أن روايات النساء عما جرى لهن مع محتجزيهن هي إشاعات مغرضة أو محاولات غربية لتشويه حركة جهادية أو سلفية مسلمة، فإن الحقيقة الساطعة هي إجابة السؤال البديهي: لماذا خطف النساء والفتيات والأطفال من الأساس؟ وأين هي مشروعية عمل همجي لم يثبت في التاريخ الإسلامي أن فعله سوى قطاع الطرق واللصوص، وهؤلاء كان وما زال عقابهم في الشريعة الإسلامية أشد أنواع القتل والتنكيل مداواة لفداحة جرمهم، وتسمية أفعالهم بأنها حرب على الله ورسوله الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد