أطلق حكم المقابلة النهائية الكاميروني أليوم نيون العنان لصافرته، معلنًا نهاية اللقاء الختامي لكأس أمم أفريقيا 2019، والتي استضافتها مصر طيلة شهر كامل، متوجة الجزائر بطلة للقارة السمراء عن جدارة واستحقاق، ومانحة للسنغال الوصافة والمركز الثاني، فكان الختام مزيجًا بين فرح كبير لمن استعاد لقبًا غائبًا عن خزائنه لسنوات طويلة، وحزن أكبر لمن فقد الكأس مرة أخرى، والذي أبى لقب «البطل» أن يقترن باسمه أبدًا.

إلى مصر وقبل النهائي حج آلاف الجزائريين لمناصرة الفريق الوطني الذي يحتاج إلى أنصاره أكثر من أي وقت مضى، وفي الجزائر كانت أبصار الملايين شاخصة نحو شاشات التلفاز داخل البيوت، وفي المقاهي، والشوارع، والساحات الكبرى التي امتلأت عن بكرة أبيها، فغابت الحركة نهائيًّا عن الممرات إلا من بعض الهامين بالعودة إلى منازلهم، فكان هدوءًا استثنائيًّا يسبق عاصفة فرح بعد حين.

انتهى اللقاء وخرج الكل مهللين، رافعين الأعلام ومرددين مختلف الشعارات الوطنية، ليس في الجزائر فقط، بل في كل بقاع العالم من أبناء الجالية الجزائرية، الذين أبوا إلا أن يعبروا عن فرحتهم ولو خارج وطنهم الأم، فرحة تنسيهم آلام الغربة، وحزن فراق الأهل والأحبة، وشم رائحة تراب الوطن ونسماته العليلة.

لم يكن تشجيع المنتخب الجزائري حكرًا على الجزائريين فقط، بل تعداه إلى كل البلدان العربية التي أبت إلا أن تكون ضمن الداعمين للأفناك الصغيرة في مسيرتها لحصد اللقب باسم عربي، وهو ما كان منذ بداية البطولة وليس نهايتها فقط، حين كانت الجماهير التونسية، والمغربية، والمصرية الموجودة في مصر تحضر جل المقابلات بعضها مع بعض رافعة أعلام دولها جنبًا إلى جنب، تعبيرًا عن الأخوة التي تجمعهم، أخوة لن تنزعها مواقف سياسية لحكومات الدول أو غيرها من أسباب أخرى كانت وما زالت تؤجج الأحقاد وتشعل نار الفتن.

الجماهير المغربية، وكنظيرتها الجزائرية، لا تهتم كثيرًا للمواقف السياسية والخلافات التاريخية بين نظامي البلدين منذ الأزل، فأطلقت حملة «خاوة خاوة» لتبادل التشجيع بين مناصري المنتخبين وحضور أنصار المنتخب الجزائري لمقابلات المغرب وحضور أنصار المنتخب المغربي لمقابلات الجزائر، بالإضافة إلى ذلك، كانت الأغلبية داخل البلدين تشجع المنتخبين على أمل وصولهما إلى آخر محطة معًا، وبعد إقصاء المنتخب المغربي أملت كل الجماهير المغربية في تتويج الجارة على اليمين؛ لأن تتويجها هو تتويج للمغاربة، حسبهم فهما شعب واحد لا تفريق بينهما أبدًا.

على غرار المغاربة كان كثير من المصريين مشجعين للمنتخب الجزائري، خصوصًا بعد سقوط المنتخب المصري في الدور الثاني، وذلك بشهادة جل الحاضرين من الجزائريين هناك خلال أيام الكان، فأشاد الكل بحسن الاستضافة، وكرم الضيافة خلال المقابلات، أو بعيدًا عن الرياضة حين يتجه الزائرون لقضاء أوقاتهم في السياحة، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة جميلة للتعبير عن الأخوة والحب بين الشعبين، والذين بدءا تدريجيًّا في نسيان أحداث تصفيات كأس العالم 2009، التي حولتها صحافة العار إلى مد وجزر سلبي غير منته، وبقعة حرب كبيرة فيها كثير من السباب والشتائم وصب للزيت في نار الفتنة، عوضًا عن تهدئة الوضع ومحاولة إعادته إلى سابق عهده.

أما عن باقي الدول العربية سواء في القارة الأفريقية أو الآسيوية، فقد بدت فرحتهم جلية بتتويج المنتخب الجزائري بالكأس القارية عبر الصحف، والقنوات، ووسائل التواصل الاجتماعي، حين أشادوا إشادة كبيرة بمستوى أشبال المدرب جمال بلماضي، وأيضًا كان الانبهار عظيمًا بالجماهير الكبيرة الحاضرة في مصر، والتي صنعت أجواء خيالية ورائعة منذ أول مقابلة حتى نهايتها، وخلال كل أيام وجودها في أم الدنيا.

الأكيد أن الجلد المنفوخ الذي ترامى هنا وهناك، بين جنبات ملاعب مصر، قد فعل فعلته الإيجابية وجمع الشعوب، وألف بين القلوب؛ فكان مفعول السحر واضحًا، ونسي الكل خلافهم الذي فرض عليهم فرضًا ولم يصنعوه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد