«أفريقيا بدأت بداية خاطئة» بهذه العبارة افتتح الباحث الاقتصادي الفرنسي رينيه ديمون كتابه الرائع «l’Afrique étranglée» ليصف المسار الذي سلكته الدولة في أفريقيا بعد رحيل الاستعمار، والذي خيب آمال وطموحات الشعوب الأفريقية في الديمقراطية والتنمية، وجعلهم يتساءلون عن أزيد من نصف قرن تم هدره دون أية حصيلة، اللهم إلا تثبيت قبضة أنظمة استبدادية سلطوية على البلدان الأفريقية وثرواتها، وجعل أفريقيا مرادفا للمجاعة والأوبئة والصراعات المسلحة والإرهاب.

وبعد الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها أفريقيا مطلع العقد الأخير من القرن الماضي يمكن القول بأن أفريقيا صنعت «ربيعها الديمقراطي» إذا صح هذا التعبير، والذي توج نضالات مريرة قادها الأفارقة في شتى أرجاء القارة منذ عقود ضدا على السلطوية والاستبداد، ومن أجل مزيد من الحرية والمشاركة في إدارة مجتمعاتهم. وهو ما يفند كل الأطروحات التي تنظر إلى أفريقيا كقارة غارقة في الأساطير والتقاليد وعاجزة عن النهوض وصناعة حاضرها ومستقبلها. فمهما توغلنا في الماضي حسب جون فرانسوا بايار سنجد أن القارة أثبتت أنها ترغب في أن تكون على صلة بالثروات والقيم العالمية.

صحيح أن التحولات الديمقراطية التي أخذت بها غالبية الدول الأفريقية ما زالت تقترن بالعديد من الممارسات السيئة التي أفرغت تجارب التحول هاته من مضامينها وجعلت الكثير من الأنظمة تقع على طرفي نقيض بين الديمقراطية والسلطوية، إلا أن نجاح بعض التجارب الانتقالية في مجموعة من البلدان الافريقية يعطي بارقة أمل للتفاؤل بشأن مستقبل هذا القارة.

غير أن التحديات اليوم التي تواجه «أفريقيا الجديدة» على حد تعبير جمال حمدان، تتجاوز أزمات النظم التسلطية. يتعلق الأمر بتهديدات الإرهاب العابر للحدود حيث تعتبر القارة السمراء أكثر مناطق العالم تعرضا لمخاطر الإرهاب حسب الخريطة السنوية لتوقعات المخاطر الأمنية في العالم لسنة 2017 وهي الخريطة التي يقدمها سنويا موقع التحكم في المخاطر. وبغض النظر عن أهمية التعاون الدولي والإقليمي بين الدول الأفريقية في مواجهة هذه التحديات، يتطلب الأمر إصلاحات داخلية وذاتية على قدر كبير من الاستعجال، أهمها تبني الخيار الديمقراطي الذي يمكن من تحقيق المشاركة الشعبية الحقيقية ويضمن إدماج مختلف المكونات القبلية والاثنية والتوزيع العادل للثروات، ونهج سياسات تنموية ناجعة تحد من الفقر والمجاعة والأوبئة التي جعلت هذه القارة أرضا خصبة لتنامي الفكر الإرهابي والمتطرف.

وفي دراسة قيمة للباحثة الكينية وانغاري ماتاي بعنوان « أفريقيا والتحدي» ، وهي واحدة من أبرز دعاة السلام وحماية البيئة في أفريقيا و أول امرأة افريقية تفوز بجائزة نوبل للسلام سنة 2004، تنتسب إلى قبيلة الكيكويو التي تضررت بفعل التوسع الاستعماري وكان لها إسهام في حركة التحرر داخل كينيا ضد الاستعمار في إطار « حركة الماو ماو»، أطلقت الباحثة على هذه الإصلاحات اسم الكرسي ثلاثي الأرجل مستحضرة الكرسي الأفريقي ثلاثي الأرجل والذي يتكون من مقعد وثلاث أرجل. تمثل الرجل الأولى الحيز الديمقراطي وما يتطلبه ذلك من احترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وترمز الرجل الثانية إلى التنمية المستدامة والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية، في حين تشير الرجل الثالثة لما أسمته الباحثة «ثقافات السلام» وتتخذ هذه الثقافات شكل النزاهة والصفح والتعويض والعدالة.

وتضيف الكاتبة أنه مثلما يصنع الكرسي الأفريقي من كتلة خشبية واحدة وتدعم كل رجل أو عمود من قبل الأرجل أو الأعمدة الأخرى، فلا بد من معالجة المشكلات معًا وفي آن واحد. وتدعم الأرجل الثلاث للكرسي المقعد الذي يمثل في هذا التصور الوسط الذي يمكن أن تحدث فيه التنمية، حيث يشعر المواطنون بالأمن والطمأنينة لوجود الأرجل الثلاث في مواضعها وهو ما يحفزهم على المشاركة وينمي لديهم حس المواطنة ويدعم السلام والاستقرار في بلدانهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد