الطفرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها إثيوبيا تثير إعجاب الكثير من المتابعين والمهتمين؛ حيث حقق الاقتصاد الإثيوبي أعلى المستويات من النمو، بجانب تطور سياسي ملحوظ تشهده البلاد؛ إذ يعتبر التداول السلمي للسلطة مؤخرًا بين رئيس الوزراء المستقيل ديسالين هلي مريام، خليفة المختار أبي أحمد، مشهدًا يدل على الوعي السياسي العالي الذي وصلت إليه النخبة السياسية في إثيوبيا، ويعتبر هذا المشهد من المشاهد النادرة الحدوث في أفريقيا والعالم الثالث.

وأيضًا من المؤشرات الإيجابية التي تدل على الوعي السياسي الرفيع لدى القيادة الإثيوبية اهتمامها الكبير بشريحة الشباب؛ ما يوحي أيضًا بأن رئيس الوزراء أبي أحمد جادٌ في إشراك الشباب في الحركة النهضوية التي تشهدها البلاد، وهذا بالطبع ما سيسهم في تطور اقتصادي وسياسي واجتماعي.

وإضافةً إلى ما تقدم: الإجراءت التسامحية التي اتخذتها حكومة أديس أبابا مؤخرًا مع المعارضة، على سبيل المثال: عملية إطلاق سراح المعتقلين السياسين، حيث تهدف منها الحكومة الإثيوبية إلى تقوية تماسك الجبهة الداخلية في البلاد، وبالتالي ستقوم بصب جهودها في تحقيق التنمية المرجوة في البلاد.

بالتأكيد ما تشهده إثيوبيا من طفرة هو من صنيع القيادة الإثيوبية، وإرادة الشعب الإثيوبي؛ إذ يعتبر رئيس الوزراء الأثيوبي الراحل مليس زيناوي أبا النهضة فيها، وخليفة ديسالين هلي ماريام أيضًا حاول المسير على منهجه، وحاول الحفاظ على ميراثه، وإلى جانب الجهود المبذولة من طرف القيادة الإثيوبية في حشد همة الشعب من أجل النهضة، فيلاحظ أيضًا أن هناك إرادة غربية واضحة، تريد أن تدفع بالتنمية والتطور في إثيوبيا من خلال توجيه رؤوس الأموال الغربية نحوها، وتقديم المساعدات والقروض المالية لها.

ولم يقتصر الدعم الغربي لأديس أبابا على الدعم الاقتصادي، بل تعداه ليشمل الدعم السياسي في شكل تقديم استشارات سياسية؛ وذلك من أجل الدفع بالتطور الديمقراطي الحاصل فيها.

وبناء على ما تقدم يجوز القول بأن القوى الغربية تسعى جاهدةً الى تطوير النظام السياسي الديمقراطي في إثيوبيا، وفي نفس الوقت، تحاول في الحفاظ على التقدم الديمقراطي الذي تحقق خلال الفترة الماضية، ولذلك فعندما تأزم الأوضاع السياسية هناك، هرول وزير الخارجية الأمريكي السابق، ريكس تلرسون إلى أديس أبابا، والتقى بقيادتها، وقدم لهم النصح السياسي من أجل خروج البلاد من الأزمة.

وأما عن أهمية إثيويبا الإستراتيجية بالنسبة للقوى الغربية تكمن في دور إثيوبيا الفاعل في ملفات القارة الأفريقية، على سبيل المثال دورها الفاعل في أزمتي جنوب السودان والصومال، ومكافحة الإرهاب في المنطقة، وهذا ما أكدهُ تيلرسون خلال زيارته الأخيرة، حيث قال: إن إثيوبيا بها عدد كبير من السكان، وأنها شريك مهم في المجال الأمني للولايات المتحدة، واستطرد قائلًا: نحن ندعم رحلة إثيوبيا الكبيرة نحو الديمقراطية، ولابد أن يكون هناك مناقشات مستمرة بالنسبة للخطوات المتبعة نحو هذا التحول وحول الدعم الذي ستقدمه أمريكا لتحقيق هذا التحول.

وكما أكد وزير الخارجية الأمريكي، حرص بلاده على إنخراط القطاع الخاص الأمريكي في دعم النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل لملايين الشباب الإثيوبي، لافتًا إلى وجود الكثير من النقاط المشتركة بين البلدين، مثل الأمن في المنطقة، والذي يؤثر على أمن الولايات المتحدة الأمريكية والأمن الدولي كذلك.

 وتعتبر أمريكا من أول المباركين لخطة اختار أبي أحمد – ذي الأصول الأورومية – رئيسًا للوزراء، حيث ترى واشنطن أن تسنم مُمثل الأورومين سدة الحكم قد يقلل من غضبهم، ويحافظ على وحدة الصف الداخلي للبلد، وبالفعل بعد تعيين أبي أحمد رئيسًا للوزراء قل الحراك الثوري الأورومي.

وتأسيسًا على ما تقدم نخلص ونقول بـأن الهدف الأول والأهم من الاهتمام الغربي الأمريكي بإثيوبيا، هو إنجاح نموذج ديمقراطي مستقر ومزدهر سياسيًا واقتصاديًا، ويحمل نفس مزايا التعدد الإثني والعرقي لدول القارة الأفريقية، وتقوم بتعميمه على دول القارة، وبالتالي سيكون أمريكا والغرب قد فندا ادعاءت بعض الحكومات والنظم السياسية الأفريقية، القائله بأن الديمقراطية الغربية لا تصلح للمجتمعات الأفريقية، وتعد طريقة وأداة حكم وافدة على دول القارة، فهي لا تتناسب مع الموروثات السياسية التقليدية، ومن أجل تفنيد هذه الادعاءت لابد من نجاح بعض نماذج ديمقراطية أفريقية، وعليه يمكن القول: إن الغرب حريص كل الحرص على نجاح النموذج الإثيوبي، من أجل تصديره إلى بقية دول القارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!