فرضت متطلبات بناء الدولة في أفريقيا بعد رحيل الاستعمار ضرورة إعداد مداخل نظرية تكون مناسبة لتحليل خصوصية المشاكل السياسية في أفريقيا، وتمثل أطروحة: (سياسة ملء البطون) أهم المداخل النظرية التي حاولت تفسير ظاهرة بناء الدولة الوطنية في أفريقيا المستقلة، وعملت على تحليل أسباب تسلط الأنظمة الأفريقية وفسادها، تحليلًا أنتروبولوجيًا ينطلق من واقع المجتمعات الأفريقية.

أصّل لأطروحة (سياسة ملء البطون) الباحث الفرنسي ش. إيبيريه، وهو من أهم المستشرقين الفرنسيين، قضى معظم حياته يبحث في إشكالية الدولة بأفريقيا، وكان له قصب السبق في إقحام هذه الإشكالية في مجال الدراسات الأفريقية، وربط هذه الأخيرة بعلم السياسة. ففي كتابه (سياسة ملء البطون.. سوسيولوجية الدولة في أفريقيا) وهو كتاب صادر سنة 1989، يحاول ش. إيبريه تقديم مجموعة من المعطيات لفهم المسار الذي تسلكه السياسة والدولة بقدر أكبر من الدقة، هذا المسار الذي تميزه حسب الكاتب سمات خاصة مقارنة مع خبرة السلطة في الغرب وفي آسيا، لكنها سمات ذات طابع تاريخي بحث.

سياسة ملء البطون هو المعنى المجازي الذي أعطاه الكاتب للممارسة السياسية الفاسدة بأفريقيا بعد الاستعمار. وتتمثل الأطروحة الرئيسة لهذا الكتاب في أن النفاذ لسلطة الدولة هو في حد ذاته مدخل للنفاذ إلى موارد الدولة المادية والمعنوية، فالوصول والاستحواذ على السلطة هو السبيل الوحيد والأمثل للمشاركة في تقسيم الكعكة بسبب طغيان الفساد وتفشيه في الدول الأفريقية، هذا الفساد اتخذ شكل تواطؤ بين الكبار والصغار، بل أصبح شعارًا للمزايدات السياسية لدرجة أن أحد الأحزاب النيجيرية اتخذ شعارًا لحملته: (أنا آكل وأنت تأكل)، ولكن الواقع يثبت أن الجميع لا يأكلون على حد سواء. وفي حالة الإحساس بأن فئة تستفيد أكثر من أخرى، فذلك يؤدي إلى ثورات وانقلابات عسكرية من أجل إعادة توزيع الثروة وخيرات البلاد بين كبار السياسيين، كما حدث في غينيا سنة 1975 بعد وفاة سيكوتوري، حيث انقلب العسكريون بعد فترة قصيرة من جنازة الرئيس، ووضعوا حدًا لاحتكار عصابة المافيا الممسكة بالسلطة منذ 25 سنة.

وبعد مجموعة من التحولات التي عرفتها القارة الأفريقية منذ تسعينات القرن الماضي، في إطار ما سمي بالموجة الثالثة للديمقراطية، وفي الوقت الذي انتظر فيه الأفارقة القطع مع سياسة ملء البطون ومنطق الفساد وأنماط الحكم الشخصي التي انتشرت كالفطر في أفريقيا غداة الاستقلال؛ حيث أضحت السلطة وسيلة مهمة لتحقيق الثراء المادي والتراكم الرأسمالي، عرفت أفريقيا في فترة الانتقالات الديمقراطية، وإلى حدود اليوم في مجموعة من الدول الأفريقية استمرار أسس الحكم الشخصي الذي يستحوذ على كل المناصب الحساسة في الدولة أو يفوتها للأقرباء والأصدقاء ويقوم بتبذير ثورات البلاد. ففي نيجيريا مثلًا، تم اعتقال جنرال سابق ومحاكمته بعد أن راكم ثروة تقدر بـ132 مليون دولار. وفي خطاب للرئيس باراك أوباما في يوليو (تموز) 2009 بأكرا بغانا أشار إلى أن تخلف الدول الأفريقية يرجع بالأساس إلى فساد الأنظمة الأفريقية واستغلال القادة لثروات البلاد من أجل الاغتناء الشخصي، وأضاف أن أفريقيا ليست بحاجة لزعيم قوي، وإنما لمؤسسات قوية.

وفي بعض الأحيان تلجأ الأنظمة بأفريقيا لاستخدام العسكر، كما قد تلجأ لتعديل الدستور بغية الاستمرار في الحكم لولايات أخرى والاغتناء من مكاسبه وثرواته بشكل جعل من ظاهرة الفساد في مجموعة من البلدان الأفريقية ثقافة مؤسساتية. ففي الكونغو مثلًا، تمكن الرئيس ساسوانغيسو الذي تجاوز عمره 70 سنة من تعديل الدستور لتمكينه من الظفر بولاية ثالثة بعد أن قاد البلاد منذ سنة 1979، وتم انتخابه لولاية جديدة في مارس (آذار) 2016، وقد ساعده في ذلك ضعف المعارضة وانقسامها وعجزها عن التأثير إلى جانب ذاكرة الشعب المتوجسة من تجربة الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في التسعينات من القرن الماضي. ومؤخرًا وجه القضاء الفرنسي تهمة الفساد لأفراد من عائلة الرئيس الكونغولي، في إطار مجموعة من التحقيقات التي تجريها السلطات الفرنسية حول ممتلكات ثلاث أسر رؤساء أفارقة من سنة 2010.

كما عرفت دول أخرى عودة قوية للأجهزة العسكرية، وتصاعدًا مهمًا لنفوذها في مواقع القرار. فما زال الجهاز العسكري في أفريقيا بحكم امتياز القوة لديه متشبثًا بالدفاع عن مصالحه واستراتيجياته. وكانت المؤسسة العسكرية في بعض الحالات تفرض شروطًا مقابل ابتعادها عن الشأن السياسي، كالتنصيص في الدستور على مقتضيات تمكن من الإفلات من العقاب، مثل نموذج حزب ش. رولنجز في غانا الذي فرض التنصيص في الدستور على مقتضيات تجعل من المستحيل متابعة الجهاز العسكري على تجاوزات سابقة واتهامات بالفساد. وفي مالي عفا الجنرال أمادو تومانيو على ضباط وجنود من النظام السابق ساهموا في ارتكاب مجموعة من الجرائم.

وإذا كانت ممارسات الفساد بأفريقيا اليوم أقل بكثير من الممارسات السائدة بأفريقيا غداة الاستقلال نظرًا لانتشار الوعي الديمقراطي لدى الشعوب، وتطور المجتمع المدني، وتزايد الضغوط الخارجية، إلا أن استمرار هذه الممارسات عرقل مسار الانتقال إلى ديمقراطيات راسخة في أغلب الدول الأفريقية باستثناء عدد محدود منها، مثل بوتسوانا وموريشيوس اللتين قطعتا أشواطًا بعيدة على درب تحقيق ديمقراطيات ناجحة وذات أداء فعال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد