مشكلة لون العرق والعلاقة بين الاعراق داكنة البشرة والاعراق ذات البشرة الفاتحة في كل من اسيا وافريقيا كانت من المشاكل الكبرى في القرن العشرين.

والعرقية هي هوية مكتسبة يتم تشاركها مع الاخرين قياما على اساس الاعتقاد باصل مشترك، ويمكن ربطها بموطن اللغة او الدين او الاعراف، كما يمكن ان يشكلها التواصل مع الاخرين. بكونه مصطلحا فضفاضا كما اشار ماكس فيبر الا انها تطورت الدراسات العرقية بعدما تصاعدت التميزات العنصرية ضد الاقليات السود وخاصة في الولايات المتحدة في القرن المنصرم.

ظهرت في هذه الفترة عدة اسماء اشهرها مارتن لوثر كييغ ومالكوم اكس غير ان هناك اسماء لامعة امثال      W. E. B. Dubois William Edward Burghardt من اشهر المفكرين السود في امريكا والاكثر شهرة في القرن العشرين في حقل الدراسات لاجتماعية وهناك ايضا فرانز فانون Frantz Fanon الطبيب والمفكر الفرنسي الاسود الذي اشتهر في نقد الاستعمار والتمييز العنصري.

سنحاول في هذل الجزء الاول مناقشة افكار William Edward Burghardt “W. E. B وكيف كانت مساهمة في العلوم الاجتماعية. وكذلك قد يثار اشكالية حول اختيار كلمة افريقية لان ديبوا ام فرانز فانون الذي سنناقش افكارة في الجزء الثاني يعتبران رجلان غربيان، لكنن لونهم هو الوحيد الذي نستوحي به. لكن في الحقيقة لا يشكل لون الا جزء بسيط، بل ان افكارهم وشعورهم الانتمائي كان مرتبط بالقارة الافريقية.

لا يزال ديبوا يعتبر المفكر الامريكي الافريقي الاكثر شهرة في القرن العشرين ولم يزل كثير من علماء الاجتماع والتاريخ والادب والفلسفة والتخصصات البينية الحديثة في مجال الدراسات الافريقية-الامريكية، والدراسات الثقافية يقدّرون كثيرا من المفاهيم والمنهجيات والنظريات التي ساهم فيها ديبوا. وقد كانت مساهمات ديبوا الاولى في علم الاجتماع على الرغم من انه اصبح من الناحية الفكرية اكثر بكثير من مجرد علم الاجتماع، اذ عمد ديبوا الى نشر كتب التاريخ والروايات والمقالات والشعر اضافة الى تحرير الدوريات، فقد كان مثال المفكر في اواخر القرن التاسع عشر من حيث اتساع معرفته في العديد من العلوم وسبر غورها.

ولد ديبوا في العام ١٨٦٨ في بلدة صغيرة في بارينغتون الكبيرة بمساشوستس بالالويات المتحدة الامريكية. حاز ديبوا درجة البكالوريوس في العام ١٨٨٨ من جامعة فيسك Fisk University الخاصة للسود، وحصل على البكالوريوس الثاني والماجستير والدكتوراه من جامعة هارفرد، وكان بحث تخرجة اساسا في التاريخ وعلم الاجتماع. وقضى ديبوا ايضا حوالى عامين في جامعة برلين التي كانت في ذلك الوقت المركز الاكثر تبجيلا في العالم لدراسة التاريخ. على الرغم من حصوله على دكتوراه من هارفرد فلم تعينة اي جميعة بيضاء كأستاذ. وكان اول عمل له في كلية صغيرة للسود وهي ويلبير فورس حيث درس اللاتينية واليونانية. ودرس الموضوعات نفسها في جامعة بنسلفانيا قبل ان ينتقل الى جامعة اتلانتا لتدريس علم الاجتماع وللقيام بابحاث في علم الاجتماع السلوكي.

نشر ديبوا دراستين مهمين في حياته وهما فيلادلفيا نيغرو Philadelphia Negro وكانت هذه الدراسة عن استقصاء لظروف السود في فيلادلفيا اجرى في تسعينيات القرن التاسع عشر، وكان من الاستقصاءات في هذه الدراسة قد قام بها ديبوا بنفسه، وقد راى ان دراسة السود عبر العالم هي طريقة من طرائق توضيح مبادئ علم الاجتماع وتطبيقها وكذلك للمساهمة معرفيا لحل المشكلات الاجتماعي للعلاقات العرقية.

ساهم ديبوا بعدة مفاهم اساسية كانت مبدعة في ذلك الوقت، ولم يزل مركزية للتحليلات السوسيولوجية حتى يومنا هذا. ويبقى اللون المفهوم الاكثر اهمية كفكرة ملحة لتفسير عدم مساواة بين الاعراق. فكان يرى ان العرق سيظل سبباً صلباً ملاما للتقسيم الاجتماعي خلافا لتنبؤات دوركهايم وفيبر وماركس بتراجع الوعي العرقي في التنظيم الاجتماعي للمجتمعات الغربية. ويبدوا الان ان تحليل ديبوا كان اعمق من تبنؤات العلماء الثلاثة اذ يظل العرق الجانب الاساسي للتنظيم الاجتماعي والواضح من الاحداث العنف الاخيرة في الولايات المتحدة ضد السود، ان لون البشرة لا يزال يشكل حياة الناس.

والكتاب الثاني وهو اكثر شهرة هو ارواح القوم السود The Souls of Black Folk وهو عبارة عن مجموعة من المقالات في جزء نشرت في العام ١٩٠٣. وكانت تلك المقالات في جزء منها عن سيرته الذاتية وجزء عن التاريخ والثقافة ومسائل فلسفية وجزء عن السوسيولوجيا. وتوسع فيها في مفهومين كانا بارزين في عمله “الوعي المزدوج” و “العشر الموهوب”. وفي سياق تحديه لنفاق الفصل العنصري والعنف ضد السود في الولايات المتحدة والوعد بالمساواة والانسانية والحرية لكل البشر استخلص ديبوا هذه النتائج عن الافارقة الامريكين بقوله:

«يشعر المرء بازدواجيته، امريكي زنجي، وروحان وفكران لا يتوافقان، وفكرتان تتصارع في داخل جسد اسود واحد»

جادل ديبوا بمفهوم العُشر الموهوب على ان المتعلمين تعلميا عاليا من الافارقة الامريكين الموهوبين ان يتحملوا مسؤولية قيادة السود الاقل حظا في المطالبة لرفع مستوى الاعراق، فقد انتقد بشدة تصرفات السود الاغنياء ووصفهم بانهم يتصرفون مثل الاغنياء البيض وهم يعيشون بصورة مثير للشفقة.

تم تجاهل ديبوا في ايامه ولم يرحب به في مؤتمرات علم الاجتماع ولا كبرى دوريات علم الاجتماع لكن تغير ذلك الان وتم اعترافه حاليا كاحد اكثر المساهيمن واهمية في علم الاجتماع الامريكي واكثر المفكرين السود تاثيرا في القرن العشرين بسبب نضاله وقد تعرض عدة مرات محاولات اغتيال من قبل بيض متطرفين. وكان خصما شديد لزعيم اكبر حركة السود في تاريخ القرن العشرين ماركوس غارفي Marcus Garvey وقد اتهم غارفي ديبوا بان ذوات البشرة الفاتحة يرتقون على حساب ذوى البشرة الذاكنة امثال غارفي.

كان  ديبوا متاثرا بماركس والفكر اليساري وتعاطف مع الاتحاد السوفيتي وكان على صلة وثيقة ببول روبسون Paul Robeson الذي شارك معه في كثير من افكاره الاشتراكية. بسبب انتماءه الافريقي وتوجهه اليساري تعرض ديبوا عدة اتهامات مختلفة بكونه من النخبة وانه انفصالي وشيوعي حتى حرم من تمويلات ابحاثة بسبب موقفة الاشتراكي ضد السياسات الامريكية، بل تعرض للسجن فترة وجيزة وحرم من اقتناء جواز سفره من الحكومة الامريكية لمعظم سنوات منتصف القرن. وفي عام ١٩٥٨ حصل ديبوا على جواز سفر فطاف بالاتحاد السوفيتي والصين الشيوعية ثم زار غانا في العام ١٩٦٠ وفي حفل تنصيب اول رؤسائها كوامي نكروما، وفي عام ١٩٦١ انضم ديبوا الى الحزب الشيوعي، وغادر الولايات المتحدة نهائيا الى غانا ثم تخلى عن جنسيته الامريكية في العام ١٩٦٣، حيث توفى بعد ذلك بستة اشهر ٢٧ اغسطس ١٩٦٣ عن عمر بلغ الخامسة والتسعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإفريقية

المصادر

جون سكوت: خمسون عالما سوسيولوجيا المنظرون المؤسسون، الشبكة العربية للابحاث/ ترجمة رشا جمال، الطبعة الثانية ٢٠١٣ بيروت-لبنان
جون سكوت: علم الاجتماع المفاهيم الاساسية، الشبكة العربية للابحاث/ ترجمة عثمان محمد الطبعة الثانية ٢٠١٣ بيروت-لبنان
عرض التعليقات
تحميل المزيد