درجت بعض السفارات الأوروبية على إقامة فعاليات ثقافية تعكس التنوع والثراء الثقافي الأفريقي، كانت إحدى هذه الفعاليات مهرجان ساما للموسيقى الأفريقية الذي تستضيفه العاصمة السودانية الخرطوم، في إحدى الليالي الشتوية وبعد أن تحايلت على ابن عمي الذي أكمل لتوه عامه الثامن عشر وبعد كثير عناء أقنعته بمرافقتي لحضور مهرجان للموسيقى والإيقاعات الأفريقية تلبية لدعوة من مركز ثقافي يتبع إحدى سفارات دول الاتحاد الأوروبي، ولكم أن تتخيلوا مقدار الدهشة الذي قابل به هذا الفتى اليافع دعوتي له لحضور مهرجان للموسيقى تعد غريبة بالنسبة له، وحسب قوله كانت هذه المرة الأولى التي يعرف فيها أن هناك موسيقى أفريقية أصلاً.

تعبر حالة الدهشة هذه عن حالة التوهان الذي ظلت ملازمة لي وللكثيرين ممن يعيشون في كوكب السودان، قبل انفصال جنوب السودان عن شماله كنا نعيش في محيط أفريقي خالص، حيث كانت تحيط بنا تسع دول أفريقية واثنان من الدول العربية، ولك أن تتخيل أن أكثر من نصف السودانيين لم يزوروا دولة أفريقية قط، وأن أكثر من هذه النسبة بكثير قد هاجروا أو زاروا هاتين الدولتين العربيتين.

إن هذا الأمر مرده إلى إغراق السودان بالثقافة العربية دون مراعاة التنوع والثراء الثقافي الأفريقي، دينيًا ينظر غالبية الشعب إلى اللغة والثقافة العربية كميزة تفضيلية ومصدر فخر وذلك لعظمة النص القرآني الذي نزل بالعربية وكذلك مصدر فخر لعظمة الشخصيات العربية التي كان لها دور كبير في نشر هذا الدين.

هذا الأمر سّبب تشويشًا لمعظم المتدينين ما بين الإبقاء على ثقافته الأفريقية أو التحول كليًا واكتساب هذه الثقافة العربية التي من المحتمل أن تقربه أكثر من الدين الذي يؤمن به، وإن كان القرآن قد أشار لتعريف العروبة هذه وبين أنها عروبة لسان أي لغة واستنادًا لهذا يمكن للمتحدث بالعربية أن يكون عربيًا، ولكن سكان الجزيرة العربية لهم رأي آخر حيث يصرون على أن العروبة عِرق وليست لغة.

برز صراع الهوية الثقافية هذا وأصبح واضحًا للدرجة التي جعلت جارنا الستيني المتذمر دومًا من ممارسات جيرانه في المسجد والتي تنبع من جهل مطلق حسب قوله، حيث رفض في إحدى المرات أن يؤمه في الصلاة أحد المصلين الذي كان يرتدي قميصًا وبنطالًا بحجة إن هذا اللبس غير إسلامي وأن عليه أن يلبس جلابية بيضاء وعمامة أولاً قبل أن يفكر في إمامة الصلاة، وهو لجهله لم يدر أن الإيمان لا يمكن أن يُخاط في ثوب ويُلبس ولكنه إحساس عميق في جوف أحدهم.

إن التأصيل لهذا المفهوم في الملبس، جعل الحكومة تعتقل الكثير من الشباب لسبب أتفه ما يكون ولا يمكن لأحد أن يتخيل أن هذا الأمر يمكن أن يحدث في عالم ينشغل فيه بعض ساكنيه بغزو القمر واستيطان المريخ بينما ينشغل فيه آخرون بمنع شاب يافع من ارتداء قميص يعبر عن ثقافته، مع اتساع رقعة التذمر وسط الشباب من الحكومة السابقة وجد بعض الشباب في القميص الأفريقي ذي الألوان الكثيرة والتي تعكس التنوع والثراء البيئي في القارة وجدوا فيه وسيلة احتجاج سلمي واعتذار عن الغياب القهري وهجران المحيط الأفريقي، وهو ما جعل الحكومة تعتقلهم بححة لبس قميص لا يعكس التوجه الثقافي للدولة.

طوال عشرين عامًا كان التلفزيون الحكومي هو الوسيلة الوحيدة للترفيه، ومذ أن وضعتُ قدمي السوداوتين الصغيرتين على تراب هذه الأرض لم يبث هذا التلفاز برنامجًا أو مسلسلًا أفريقيًا واحدًا، المحتوى الذي كان يُعرض كان عبارة عن حلقات من مسلسل عربي أو برنامج ثقافي عربي نتيجة لتبني سياسة وخط إعلامي ذي توجه واحد، وذكرتُ هذا المثال لأن التلفاز ساهم في صياغة وتشكيل الشخصية السودانية التي تعيش الآن وأنا شخصيًا طوال هذه العشرين عامًا ظللت أشاهد محتوى ثقافيًا عربيًا وأستمع لموسيقى تعكس هذه الثقافة، ولم أشاهد يومًا محتوي ثقافيًا أفريقيًا وكيف أننا كنا نضحك على ما نشاهده من محتوي ثقافي تنتجه دول مثل تشاد وإثيوبيا ونيجيريا ونصفه بالتخلف.

على مستوى الموسيقى نمتلك الكثير من الإيقاعات مثل الكامبلا وإيقاعات الوازا، ولكننا ظللنا دومًا نفضل الاستماع إلى (آه ونص) بدل الاستماع إلى صوت (الكِرنَق) إن هذا التوجه نحو الموسيقى العربية ساهم في تشكُل الوجدان الموسيقي للشعب وتفضيلاته، وكذلك أثر في شكل السلم الموسيقي الذي نتغنى به، إن هذا التفسير وإظهار أزمة الثقافة هذه لا يُمكن أن يُفسر على أنه هجوم أو تفضيل ثقافة على أخرى، ولكنه بيان للناس وقذف حجر في بحيرة ثقافية راكدة، عسى أن يُحرك ماؤها فتموج لتُطرب وتُثري هذا الفضاء الثقافي بتنوع ثقافي يعكس تنوع المحيط هذا، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، لا يمكنك أن تعطي وتساهم بثقافتك وتمنحها للآخرين إذا كنت لا تملكها من الأساس وستظل فقط تستقبل وتستهلك ثقافة الآخر.

بعد أن زالت الدهشة عن ابن عمي استغرقنا في التفكير كيف لنا أن نحضر حفل موسيقى أفريقيا ونحنُ لا ندري ما يجب أن نلبسه كأفارقة في هذه الحالات؟ ارتدى هو بنطالًا من الجينز وقميصًا بنصف كُم مائل للون الأصفر وحذاء رياضيا أسود، بينما ارتديت بنطالًا عاديا وتي شيرت أبيض من فوقه قميص شتوي مفتوح الأزراز وحذاء رياضي ولكم أن تتخيلوا كيف كنا نبدو، على خشبة المسرح بدا كل شيء غريبًا بالنسبة لنا، فهذه كانت المرة الأولى التي نستمع فيها إلى موسيقى إفريقية، ولكن بعد حضورنا لهذا الحفل وزوال غشاوة الإيقاعات التي كنا لا ندري شيئًا عنها وتعرفنا على تراث ثقافي أصيل خرجنا بنتيجتين بالنسبة لي كانت بداية للبحث عن الذات وتمسكًا بثقافة تمثلني، أما ابن عمي فقد أصر على الاتصال بأبيه ليسأله عن حقيقة كونه عربيا أم أفريقيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد