العمق الأفريقي وموقعه المميز

 

العمق الأفريقي، إن صح التعبير، هو اللقب الذي يجب أن يطلق على بلد مثل السودان، يحتل هذا الموقع المميز من القارة السمراء، فإطلالته الإستراتيجية على البحر الأحمر تفتح أمامه الباب واسعًا على مصراعيه ليكون بوابة لعديد من الدول الأفريقية التي تفتقر لميناء بحري، مثل جمهورية تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، أو حتى جمهورية جنوب السودان الوليدة، جمهورية تشاد مثلًا تحتاج لمنفذ بحري لتصدير صادراتها النفطية، وكذلك للاستفادة من مواقع الموانئ السودانية في استقبال وارداتها من مختلف المواد التي تحملها السفن العملاقة، موفرة الكثير من تكلفة النقل، والتي تنعكس كسلع منخفضة التكاليف نظرًا لانخفاض كلفة النقل التي تنافس أحيانًا سعر المنتج الأصلي، فإذا ما توفرت لدولة مثل تشاد إمكانية نقل وراداتها عن طريق الموانئ السودانية، فإن ذلك سيكون له بالغ الأثر الإيجابي في انعاش الاقتصاد السوداني الذي ما زال يعاني من تبعات خروج النفط الجنوبي من الميزانية العامة للدولة، حيث ستسهم هذه الواردات في رفع الطاقة الاستيعابية لميناء بورتسودان، وما يصاحبه من رفع لنسبة العمالة، والتي تنعكس إيجابًا أيضًا في تخفيض معدل البطالة، ولن يكتفي السودان بهذا وحسب، حيث ستحتاج هذه الواردات لوسيلة نقل لنقلها من أقصى الشرق في الموانئ السودانية إلى أقصى الغرب، حيث تقع جمهورية تشاد، وهنا يأتي دور السكة الحديد ذلك الناقل الذي اتجه العالم كله لاعتماده وسيلة للنقل من الدرجة الأولى، نظرًا لسعته العالية، وطاقته الاستيعابية غير المحدودة، مع انخفاض في كلفة النقل، حيث ستلعب شبكة من السكة الحديد تربط بين ميناء بورتسودان ومدينة الجنينة في أقصى الغرب عند الحدود السودانية التشادية دورًا محوريًّا في تحريك دولاب الاقتصاد، والتي ستتولى نقل البضائع من ميناء بورتسودان عن طريق القطار، أقل وسائل النقل كلفة على الإطلاق وأسرعها، إذا ما قورنت بوسائل أخرى للنقل تكلف ضعف كلفة النقل عن طريق القطارات مع سرعة أقل .

 

الآثار المباشرة وغير المباشرة لعملية الانفتاح الأفريقي

 

ولأن العملية الاقتصادية عملية تكاملية تتكامل وتتوحد فيها عدة عوامل لتحقيق غرض واحد، فإن أي عملية اقتصادية ستؤثر بصورة أو بأخرى في عمليات أخرى لها علاقة مباشرة بها، أو حتى غير مباشرة، ولنا أن نتخيل كيف تؤثر سقوط ورقة من شجرة توت في سهول الصين على سعر تعريفة المواصلات في دولة نائية، بنفس القدر أي حركة في التبادل التجاري أو الاستيراد والتصدير ستنعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطن البسيط، فتشاد التي تطمح للخروج من الطوق الفرنسي تتطلع لتكوين علاقات اقتصادية متنوعة تعود عليها بالنفع من جهة، وتشعرها بشيء من الاستقلالية من جهة أخرى، فالشركات الفرنسية المستحوذة على الكثير من الامتيازات الاقتصادية هناك تريد أن يدور كل شيء في فلكها بدءًا من مسألة البضائع والأسلحة التي تحتاج لسوق تسكب فيه بدل أن تظل قابعة في مخازنها في الريف الفرنسي، مرورًا بالنفط الذي تحاك المؤامرات للإمساك بزمامه لكبح جموحه وترويضه لخدمة الأهداف، وبلوغ الغايات المخطط لها مسبقًا، فالمستثمر الفرنسي لا يريد للنفط التشادي ان يصدر الا عن طريق إحدى الدول الفرانكفونية للتتحقق العملية الاقتصادية التكاملية التي أسلفنا ذكرها.

 

هل من الممكن ان يلعب السودان دور الناقل للنفط الأفريقي؟

 

ولو كان للسودان فرس يراهن عليه في هذا الماراثون فستكون تجربته في نقل نفط دولة جنوب السودان التي كانت ناجحة بكل المقاييس، لولا تراجع أسعار النفط، والتي أثرت بدورها في انخفاض كلفة النقل، وحسب خبراء العمليات النفطية يجب أن تكون نسبة الأرباح مجزية بعد احتساب تكاليف عمليات الاستكشاف والاستخراج والإنتاج والنقل، وفي حالة النفط الجنوبي فإن كلفة النقل ستنافس كلفة الإنتاج؛ لذلك لن يكون هناك طائل من استمرار العملية الإنتاجية التي ستكون خاسرة بكل المقاييس، إلا إذا قامت شركة خطوط أنابيب النفط السودانية التي تتولى عملية نقل النفط الجنوب سوداني بخفض كلفة النقل، والتي تحكمها ظروف أخرى كالتكاليف التشغيلية لخطوط الأنابيب، إضافة لتكاليف الصيانة الدورية، وفي المحصلة ستحكم العملية برمتها حسابات الربح والخسارة، مع ذلك لا يمكننا إغفال إمكانية استفادة السودان من هذه التجربة، واستثمار نجاحها في نقل نفط أفريقيا الوسطى، أو النفط التشادي عبر خطوط أنابيب تمتد من حقول النفط في العمق التشادي، أو في الحدود الشمالية الشرقية لجمهورية أفريقيا الوسطى، حتى تبلغ موانئ التصدير السودانية، وإذا نظرنا للظروف الجغرافية فإنها ستكون في صالح السودان لانخفاض السودان جغرافيًّا وانحداره التدريجي ناحية البحر الأحمر، ولأن عملية نقل النفط داخل الأنابيب تحتاج للضغط الذي يعمل على تحريكه وتسهيل حركته فإن الانحدار سيكون له بالغ الأثر في تسهيل عملية النقل داخل الأنابيب؛ مما يعطي ميزة تفضيلية للسودان .

 

روافد اقتصادية أخرى نتيجة لسياسة الانفتاح

 

من جهة أخرى تلعب السياحة العلاجية دورًا كبيرًا في تنشيط حركة الاقتصاد إذا تم النظر لها بشيء من الجدية، حيث يمكن أن يمثل السودان البديل المثالي لتلقي العلاج، خاصة مع تراجع مستوى الخدمات الطبية المقدمة في بعض دول المحيط الأفريقي، وتدني مستوى الأمن في الكثير من العواصم الأفريقية المجاورة للسودان، حيث تتمتع العاصمة الخرطوم بمستوى جيد من الأمان يجعلها الخيار الأمثل لتلقي العلاج في محيط يعج بالمشكلات والاضطرابات الأمنية، ومن المهم جدًّا أن يسعى المستثمر السوداني للانفتاح أكثر على المحيط الأفريقي الذي يعتبر سوقًا واعدة؛ نظرًا لانخفاض الناتج المحلي في تلك الدول، وارتفاع نسبة السكان؛ مما يرفع بدوره من معدل الاستهلاك الذي يعد ارتفاعه مؤشرًا لارتفاع مؤشر الطلب على مختلف المواد، لا سيما المواد الضرورية والأساسية كالمواد الغذائية والصناعات الغذائية التي للسودان تجربة في إنتاجها محليًّا، والتي تعد من الضروريات التي لا تقوم الحياة إلا بها .

 

الانفتاح نحو الأسواق الأفريقية لترسيخ قدم اقتصادية هناك

 

عند قيام دولة جنوب السودان اتجه السوق الجنوبي لاستيراد المواد الغذائية كالمياه المعدنية، والمشروبات الغازية، والعصائر، وحتى الخضر والفواكه من دولة أوغندا التي استثمرت أموالًا طائلة في دعم الحكومة الوليدة عسكريًّا ولوجستيًّا؛ مما جعل عملية دخولها وتغللها في الاقتصاد الجنوبي سريعًا وسلسًا، مستندة على الدعم الذي قدمته مسبقًا لتقبض ثمنه توسعة في صادراتها، وفتح أسواق جديدة، وجعل دولة السودان الجنوبي المستورد الأول لمنتجاتها، وكما أصبح معروفًا عالميًّا أن الحروب تقوم لفتح أسواق جديدة؛ حيث إن كل التحركات العسكرية التي تقوم بها الدول الكبرى ما هي إلا مقدمة لفتح أسواق جديدة، وزيادة فرصها الاستثمارية، فعندما انتهت حقبة الحرب الباردة أصحبت مخازن الدول الكبرى متكدسة بكميات كبيرة من الأسلحة التي تم إنتاجها ولكن لم يكن هناك داعٍ لاستخدامها مع انحسار موجة الحرب الباردة، فعمدت تلك الدول لافتعال حروب وهمية في عدد من الدول لا سيما الأفريقية منها، فاتحة بذلك سوقًا متعطشة للأسلحة فأصبحت تمد الطرفين المتحاربين بمختلف أنواع الأسلحة المرتفعة القيمة، ولكن لحسن حظ السودان فإنه يستطيع أن يثبت أقدامه في مثل هذه الأسواق الجديدة والناشئة، دون حتى أن يتورط في أي حرب؛ حيث سيلعب عامل السعر وقرب المسافة وسهولة النقل دورًا كبيرًا في ترجيح كفته، كما تعد التفاهمات السياسية   مهمة جدًّا في هذه الحالة، فإذا ما تم استغلال بروبوغاندا الاستهداف الغربي للدول الأفريقية، وتكالبها على مقدرات القارة، وسعيها الحثيث للسيطرة عليها، إذا ما تم استغلال هذا الأمر بنجاح، وتوجيهه لخدمة المصالح السودانية، فسيكون مدخلًا سهلًا لولوج السوق الأفريقية دون حتى المرور ببوابة منظمة التجارة الأفريقية، وبالنسبة للمواطن الأفريقي المهيأ نفسيًّا لرفض كل ما هو غربي، فستكون بضائع محلية الصنع تحمل الطابع الأفريقي البديل المثالي للبضائع الغربية إذا ما رافق هذه المنتجات جودة في التصنيع، وانخفاض نسبي في الأسعار، وسهولة في الوصول إليها، فإنه يفضلها على نظيراتها الغربية .

 

 

٩٠٪ من واردات إثيوبيا تأتي من خلال الموانئ الجيبوتية

 

وإذا نظرنا لسياسات دولة إثيوبيا الاقتصادية تجاه السودان سنجدها لا ترقى لحجم التوقعات مقارنة بكمية النشاط التجاري المتبادل، وكثافة الوجود الإثيوبي بالسودان؛ حيث تقوم إثيوبيا بجلب ما مقداره ٩٠٪ من وارداتها من الخارج عن طريق الموانئ الجيبوتية، فإذا ما استطاع السودان أن يحول هذه الكمية الكبيرة من الواردات ليتم استيرادها عن طريق الموانئ السودانية، لوفر ذلك له الكثير من الإيرادات التي يمكن أن تستخدم لتلافي حالات رفع مستقبلية للدعم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد