بهدف تصحيح التصورات الخاطئة، وعلى غرار الدول العربية والغربية الأخرى وبطلب إثيوبي تدخل الجزائر خط أزمة سد النهضة بين إثيوبيا ودول المصب مصر والسودان كوسيط لحلحلة المشاكل العالقة لأزيد من 10 سنوات، فمن خلال جولته الأفريقية، أعلن الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الجزائرية يوم الأربعاء 28 من يوليو المنصرم شروع وزير الشؤون الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، في زيارة عمل إلى إثيوبيا بصفته المبعوث الخاص للرئيس الجزائري بهدف إعطاء ديناميكية جديدة للشراكة بين البلدين.

وفي مستهل الزيارة التي دامت يومين أشارت الرئيسة الإثيوبية ساهلي وورك زويدي إلى دور الجزائر وإسهاماتها الكبيرة في خدمة السلام والاستقرار في أفريقيا، مشيرة إلى الوساطة الجزائرية الناجحة بين إثيوبيا وإريتريا سنة 2000 التي انتهت بعقد اتفاق الجزائر 2000، ومنه وجهت الجمهورية الإثيوبية على لسان وزير خارجيتها دعوة رسمية للجزائر للتوسط في أزمة سد النهضة بين كل من إثيوبيا ومصر والسودان وأزمة الحدود الإثيوبية السودانية بعدما أعربت إثيوبيا، يوم الخميس عن استعدادها لاستئناف المفاوضات مع مصر والسودان حول أزمة سد النهضة ورغبة إثيوبيا في الاستخدام العادل والمنصف لمياه النيل.

ولأن الوساطة تلزم موافقة أطراف النزاع طارت طائرة الدبلوماسية الجزائرية متوجهة إلى السودان يوم 30 يوليو لتلتقي هناك وزيرة الخارجية السودانية مريم صادق المهدي، ثم إلى القاهرة يومًا بعدها حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره المصري سامح شكري، وكان العامل المشترك بين الزيارات الثلاث هو الالتزام المشترك للدول المتنازعة على العمل معًا للتوصل إلى تسوية سلمية وسياسية للأزمات في القارة الأفريقية.

في ماذا تختلف الوساطة الجزائرية عن الوساطات التي سبقتها؟

رمطان لعمامرة وزير الخارجية الجزائري وأهم الوجوه السياسية والدبلوماسية في تاريخ الجزائر الحديث، اشتغل بين سنة 89-91 سفيرًا للجزائر لدى إثيوبيا وجيبوتي وممثلًا دائمًا للجزائر لدى منظمة الوحدة الأفريقية إضافة إلى تعيينه مفوضًا للسلم والأمن للاتحاد الأفريقي سنة 2008-2013 وعضو المجلس الاستشاري للأمم المتحدة المعني بالوساطة في 2017، وممثلًا ساميًا لدى الاتحاد الأفريقي من أجل إسكات البنادق في أفريقيا أكتوبر 2017، وعضو المجموعة رفيعة المستوى لدى الاتحاد الأفريقي حول السودان والقرن الأفريقي 2018.

وعليه من الواضح تمرس وخبرة رمطان العمامرة في كل ما يخص الشؤون الأفريقية والوساطة وحل النزاعات في أفريقيا، إضافة إلى تاريخ الجزائر الحافل والإيجابي كوسيط في حل العديد من النزاعات في أفريقيا على غرار الوساطة الجزائرية في حل النزاع المسلح في مالي، والوساطة بين إثيوبيا وإريتريا، وهذا ما جعل دول أزمة سد النهضة تطلب الوساطة الجزائرية التي تختلف نوعًا ما عن كل المحاولات التي سبقتها، حيث إن الوساطة الأمريكية تعتبر وساطة خارج القارة وما تطمح له الولايات المتحدة الأمريكية أكبر من حل نزاع بين دول ثلث أفريقية يمكن اعتباره من النزاعات المعقدة في العشرية الأخيرة.

فالولايات المتحدة الأمريكية تحركاتها كوسيط في الأزمات الأفريقية غالبًا لا يكون إلا من أجل تموضعها وإيجاد مواطن نفوذ جديد لها في القارة السمراء أو حماية لمصالح ابنتها المدللة إسرائيل، تحركها في ملف سد النهضة لم يحد عن ذلك، فلو عدنا بالزمن إلى سنة 1979 في تصريح لرئيس لجنة المياه في الكنيست أليعازر أفتاي الذي قال: «من المستحيل أن تصب مياه النيل في البحر المتوسط بينما تعاني إسرائيل أزمة مياه» فما تقوم به إثيوبيا اليوم هو بطريقة غير مباشرة يخدم المصالح الإسرائيلية ولن تتوسط الولايات المتحدة الأمريكية في حل أزمة أساسها يخدم إسرائيل، خاصة أنه هناك التعاون الإسرائيلي الإثيوبي في تنفيذ عدد كبير من المشاريع المائية على النيل الأزرق، حيث شيدت إسرائيل ما يقارب 25 سدًا من أصل 37 سدًا.

وعليه أصل الوساطة الأمريكية كان من أجل اقناع مصر في التخلي عن ما يقارب 800 مليون مكعب من حصتها لصالح إسرائيل، ففشلت الوساطة التي افتقرت في أساسها إلى أهم مبدأ من مبادئ الوساطة وهي حسن النية، لتعلن مصر أنها أحالت ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن الذي فشل هو أيضًا في إيجاد حل عادل يلبي مطالب الدول الثلاث المتنازعة أمام تعنت سلبي من قبل كل الأطراف.

فهل تنجح الوساطة الجزائرية في حل أزمة سد النهضة؟

نجاح الوساطة الجزائرية مرهون بعدة عوامل يجب أن تتوفر في الدول المتنازعة نفسها أولها الإرادة السياسية في حل النزاع، إضافة إلى ضرورة إظهار حسن النية من طرف الدول المتنازعة التي غابت كليًا في الجولات التفاوضية السابقة، ففي الوقت الذي تطلب فيه مصر والسودان التوصل إلى اتفاق ملزم إثيوبيا ترفض ذلك وترى أن هذا النوع من الاتفاقيات سيخضع للحدود التاريخية التي رسمتها بريطانيا واتفاقية تقاسم مياه النيل بين مصر والسودان سنة 1959، وبدلًا من ذلك تطلب إثيوبيا عقد اتفاق يرضي الأطراف الثلاث بدلًا من اتفاق ملزم وهذا دليل على غياب كبير لمبدأ حسن النية عند الدول الثلاث ما سيقف دون التوصل إلى حل نهائي مُرض سواء كانت الجزائر أو غير الجزائر وسيطًا فيه.

فيما يرى آخرون أن الدور الجزائري لن يتعدى الدعوة إلى الجلوس مرة أخرى على طاولة التفاوض نظرًا لشدة التعقيدات التي تكتنف ملف سد النهضة، ما جعل الأمر يتعدى دور الوساطة ويتطلب تنازلات من طرف الدول الثلاث، وأنه من الأفضل أن ملفات كهذه تترك للهيئات الدولية المختصة في مثل هذه النزاعات.

وعليه تقوم الجزائر باستغلال الهدوء المؤقت بين الدول الثلاث لتنخرط كوسيط من شأنه تقريب وجهات النظر والدفع إلى مفاوضات فعالة للخروج بحل يرضي أطراف النزاع، خاصة وأن إثيوبيا ترفض تدويل القضية أو إقحام أي طرف غربي في هذه الأزمة، ومنه الجزائر باعتبارها وسيطًا أفريقيًّا ففرصتها في جمع الأطراف مرة أخرى إلى طاولة الحوار أمر غير مستبعد الحصول، من جهتها الجزائر أيضًا تريد أن تستثمر في وساطتها من أجل إعادة دور الجزائر إقليميا من خلال لعبها دور الوسيط الفاعل والفعال بين أطراف أزمة سد النهضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات