الربيعات الإفريقية في ساحل العاج ومالي وبوركينافاسو وزمبابوي

لا أدري إذا كان هذا المصطلح يتناسب مع الأحوال السياسية التي انفجرت في بلاد العرب، وبموجبها قيام الشعب بثورات، أم انتفاضات إنقاذية، أم مظاهرات، فبإثرها تمّ إسقاط حكومات، منبعها الجمهورية تونس فسميّت هذه الظاهرة بالرّبيع العربي.

قارن الكاتب هذه الظاهرة السياسية مضمونها بالتي تحدث في البلاد الأفريقية لذا سمّاها بالربيع الأفريقي، إن صحّت العبارة، أم لا، فالمهمّ أنّ القاسم المشرك بين الرّبيعين هو «قيام الشعب بدحر حكومة، وتبديل محلها حكومة أخرى» نظرًا لمضمون الظاهرة يعتقد الكاتب أنّ نسبة لفظ الربيع إلى أفريقيا لا يعارض معنى الربيع المقصود، وإن كانت جمهورية تونس، والجزائر، ومصر، والسودان، وليبيا هي بؤر الربيع، فكلّها أفارقة من حيث منظور قاري، يعنى كلّها في القارة الأفريقية تمامًا، إلاّ أنّ المنظور القبلي واللغوي والاستعماري يوحى أنّ جمهورية مصر مثلًا عربيّة القبيلة، وبوركينافاسو أفريقية القبيلة، والسودان عربية وأفريقية القبيلة، وجانب الاستعمار أيضًا فيه بعض ملامح التقسيمات، بعضها مستعمرة إنجليزية وبعضها فرنسية وبعضها الآخر إنجليزية والفرنسية معًا مثل الكاميرون، وبعضها بريطانية الاستعمار، وبعضها إسبانية… إلخ، وللأسف إنّهم وزّعوا قارتنا بينهم توزيع الكعك النّائم صاحبه، بنهب خيراتها مسرورين، وسلب ثوراتها سلبًا كما يمصّون خاماتها فرحين، تاركين أبناء القارة خفي حنين اليدين منغمسين في ولوج أمواج الويلات التي نكّست رؤوسهم، ووقفت وآمالهم وتطلعاتهم، ولوّث حاجاتهم ورغباتهم، وقمعت حرّيتهم، ورقضت قيمهم، وغيّرت عاداتهم وثقافاتهم، وظلّوا أسرى الحضارة مطيعين لمستعمريهم «أساتذة الحضارة» طوعًا أم كرهًا حتى بعد السيناريوهات «الكرنافالية» المسمّى بالاستقلال، أين الاستقلال وقارتنا هي الأفقر واحدة بين القارات الأخرى، وأشدّ بلاد في العالم، حتى لفظ أفريقيا صارت مرادفة أو كناية في مفاهيم الأكثرية عن التخلف والجهل والفقر والأمراض والحروب الأهلية الطاحنة، والانقلابات الدّموية، التي تطوّرت إلى الربيعات الخلعية غض النظر إلى نوعية هذه الربيعة عربية كانت أم أفريقية فهدفها واحد، فلماذا يا ترى؟

أوّلًا الربيع العيجي وهو الذي حدث في غرب أفريقيا بجمهورية ساحل العاج الذي بدأ بالتسلسل منذ عام 1993 عقب وفاة الرئيس الأوّل للبلاد فيليكس أو فويت بوانيي، ودخل البلاد التي كانت أحلى بلدٍ في أفريقيا في أزمة سياسية قاصية، والتي جنحت إلى الأزمة الإقتصادية فالأمنية فالحروب الأهلية ذات طابع الغضاضة، لماذا الغضاضة أو الملابسات؟ لأنّها أخذت عوامل سياسية، وقبلية ودينية معًا، واستمرّت على هذا حتى عام 2000 تولّى حزب «الجبهة الشعبية الإفورية» بقيادة الرئيس بابو لوران السلطة عن طريقة انتخابات كابوسية بمعنى قام بمنع بعض الأحزاب السياسية عن المشاركة في الانتخابات، أهمّها حزب «التجمّع الديمقراطي الجمهوري» على رأسه الحسن واترا الرئيس الحالي، الذي حاول الرئيس بابو لوران أن يسلب منه مواطنته الإفورية بدعايات أنّ أصله من بوركينافاسو، ولا ينبغي عليه أن يكون رئيسًا لساحل العاج، بينما اشتغل الحسن واترا في منصب رئيس المجلس الوطني الإفواري في عهد أوفويت بواييي، بل هذه كانت دعايات مصطنعة استخدمها بابو لوران لاستبعاد الحسن واترا عن التولية على سلطة البلاد، وأدّى هذا القمع الحزبي إلى أن ظهرت حركات التمرّد المسلحة لمدّة 10 سنوات، خلالها علمت البلاد كارثة بشرية واقتصادية باهظة، وبعد المفاوضات المتكررة في ماركوسي، وأخيرًا اتفاقية واغادوغو عاصمة بوركينافاسو، سمح بموجبها جميع الأحزاب السياسية بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، لتكون هذه الاتفاقية مفتاحًا لجلب السلام والأمن في البلاد، وفي عام 2010، أجريت انتخابات مفتوحة ونزيهة التي شاركت فيها جميع الأحزاب السياسية، وفي الدور الأوّل لهذا الانتخاب فاز فيه حزب الجبهة الشعبة الإفوارية التي كان يقودها الرئيس السابق بابو لوران، أمّا في المرحلة الثانية والأخيرة للانتخابات، تكاتلت الأحزاب السياسية على مصلحة حزب التجمّع الديمقراطي للرئيس الحاليالحسن واتاوا ممّا لاشكّ فيه أنّ حزب بابو لوران قد سقط في الدورة الثانية للانتخابات، لكن الرئيس بابو لوران المهزوم رفض أن يتنهى عن السلطة، بل قام بموقامة عنيفة ضدّ رغبة الشعب للتغيير، فسيطر على مؤسسات الدولة على مصلحته منها السلطة القضائية والقوات المسلحة، بإجبارها على تنفيذ قراراته منها إعلان نتائج الانتخابات على مصلحته، وكذلك استخدام الجيش الوطني ضدّ الثوار، وأدّى ذلك إلى تدخّل القوات الفرنسية وخلعه من السلطة عسكريًا في عام 2011 وإحالته إلى محكمة الجنائية الدولية لاهاي.

لكن المسألة التي تطرح نفسه، كيف كان رجع الصدى لهذا الرّبيع الأفريقيّ العيجيّ؟ بالتأكيد أّنّ بدايته كان مرّا كحنظلة، لكن ختامه مسك؛ ذلك أنّ البلاد علمت تقدّمًا فائقًا حتى الآن، ممّا أدّت إلى نجاح حزب الحسن واتارا في الإنتخابات في عام 2005م التي سمحته لاستمرار في الحكم إلى الآن، ومن العجب أنّ المواطنين يطابون منه الاستمرار أي ليكون مرشّحا على رأس البلاد في الانتخابات التي ستجرى في عام 2020، مع أنّ عدد الدّورات المنصوصة في الدّستور الحالي دورتان، وفي كلّ خمس سنوات، ولا ندري كيف سيتوافق بين نص الدّستور ورغبة الشعب؟ إلاّ إذا وجد فيها بعض البورتكولات التي سوف تسمح لتعديل الدّستور ليواصل الرئيس الحسن وتارا إلى دورة ثالثة!

الجدير بالذكر أنّ التغييرات الحكومية لا بأس بها، لاسيما الذين تولّوا على زمام البلاد منذ فترة طويلة جدًا، وكادت السياسات أن تكون محورية مركزية أحادية الحزب، والباقون لا يستفيدون إلاّ قليلًا، إلاّ إذا كانت الدولة تمشي على ما يرام فلا ضير لهذه التغييرات الحكومية، وإن اضطرّ دستوريًا إلى تغيير رأس الحزب الحاكم، يمكن استمرار النظام باستمرار حكومة وهذا لا يخالف المبادئ الديمقراطية؛ لأنّ الهدف في تطبيق الديموقراطية في بلادنا الأفريقية، ولنعلم جيّدًا أنّه ليس تغيير الحكومات همجيّا عشوائيًا هو الهدف، وإنّما تحسين أوضاع المواطنين المعيشية؛ لأنّه لا نهضة مستقبلية تأتي إلاّ بعد تقوية البنية الأساسية للدولة، لتنطلق من التحسين إلى التمكين وإلى التقدّم فالتطوّر.

لنلتقي في الجزء الثاني للربيع الأفريقي لاحقًا، مع السلامة وفي أمان الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد