ومن الربيعات الأفريقية، الربيع الذي حدث في جمهورية زمبابوي بتاريخ 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، والذي امتدت جذوره من الفقر والبطالة للشعب الزمبابوي، مع المنهج الديكتاتوري الذي نهجه الرئيس الأسبق «روبيرت غابرييل موغابي» في امتداد بقائه على رأس الدولة مدّة 37 عامًا؛ ممّا أدى إلى مقاطعة بعض الدّول الكبرى للبلاد بحجة جلبها لتطبيق الديمقراطية النزيهة في الانتخابات، ثم اندلاع حرب أهلية كارثية في البلاد.

لكنّ الشعب الزمبابوي صبر على هذا النمط طوعًا أو كرهًا، حتى بالغ الرئيس «موغابي» في الفوضى الإدارية باستبعاد أقربائه السياسيين، وبالتحديد «إميرسون منانجاجوا» الذي ناضل معه من أجل استقلال البلاد، تمهيدًا لوضع خطة استراتيجية لإحالة السلطة إلى زوجته «غريس ماروفو لتولي»، وهي من مواطني جنوب أفريقيا أصلًا، هذا الذي أثار الغضب في نفوس الشعب، والخوف من زعزعة الاستقرار في البلاد، عزل الجيش الرئيس «موغابي» عن السلطة بإجباره على تقديم استقالته، مع ضغوط الاتحاد الأفريقي على الجيش تحت بند عدم الاعتراف بالحكومة الانقلابية، إلا أنّ الشعب الزمبابوي هيّأ لنفسه جوًّا معتدلًا للخروج من هذه الأزمة بطريقة ديمقراطية سليمة؛ إذ قاموا بتكوين الحكومة الانتقالية وبعدها الدخول في انتخابات نزيهة، ونجحوا نجاحًا من حيث لم تدخل البلاد في مأزق، هذا هو الوضع الذي حدث في جلّ البلاد الأفريقية في الربيعات الناجحة.

تحليل الربيعات الأفريقية والعربية

إنّ الربيعات الأفريقية لا شكّ أنّها حققت نجاحًا فائقًا، وهو ما يدلّ على أنّ هذه البلاد قادرة على حلّ مشكلاتها بنفسها، وإن كان في ربيع ساحل العاج تدخلّت القوّات الفرنسيّة لإنهاء سلطة «بابو لوران» لمّا شعرت أنّ هذا الرّئيس استخدم جيش الدّولة ضدّ المواطنين بنشر الدبّابات في مدينة أبيدجان، بل وقذف القنابل الثقيلة على المتظاهرين، وهذا أحد الأسباب الرّئيسية لإحالته إلى المحكمة الجنائية الدّوليّة في «لاهاي» للمحاكمة، وإن أصرّ فيها أنّه هو النّاجح في الانتخابات، وأيضًا أن المعارضة التي كان يزعمها الرئيس الحالي «الحسن واتارا» هي المسؤولة عن زعزعة الاستقرار في البلاد من حيث القتل والنهب والسلب والشغب والفوضى؛ ممّا أدّى إلى لجوء آلاف من المواطنين العاجيين، كما يطالب محاكمة المعارضين على ذلك، لكن حتى الآن المحكمة ما زالت تعمل في هذا الملف؛ ممّا يدلّ على أن الكثير من مسببي الحرب الأهلية في البلاد ستتمّ إحالتهم لاحقًا إلى «لاهاي» للتحقيق.

وربيع جمهورية «مالي» عرف بنجاح فائق باستطاعة الشعب خلع الحزب الحاكم دون رصاصة، ففر راجعًا إلى السنغال، إلا أنّ السبب الرئيسي الذي أدّى إلى هذا الربيع الخلعي هو احتلال الإرهابيين جزءًا كبيرًا من شمال البلاد، وقتل المواطنين الأبرياء فيه حتّى الآن ما زال موجودًا، ولو تدخّلت القوات الفرنسية وضعفت حركة المتمرّدين في شمال البلاد، إلا أن الزيادة في المجهودات مطلوبة في المنطقة لإنهاء هذه الحركات التمرّدية.

أما الربيع الذي حدث في بوركينا فاسو، وأدى إلى لجوء رئيس «بليز كومباوري» إلى ساحل العاج، بل وأعطاه نظيره «الحسن واتارا» جنسية عاجية، إلا أنّ الشعب البوركيني يطالب السلطة العاجية بإحالة الرئيس السابق «بليز كومباوري» إلى المحكمة البوركينية العليا تحت تهمة ارتكاب جرائم، منها اغتيال الرئيس الأسبق «توما سنكرا» وكذلك الصحافي الكاريزمي «نوربيت زونغو»، لكن الوضع السياسي في داخل البلاد مهيّأ لولا زحف الإرهابيين على البلاد، واستمرار الشعب في محاولة البحث عن طرق إيقاف الضربات الإرهابية التي تأتي من بلاد الطوارق، مثل شمال جمهورية «مالي» و«موريتانيا» في البلاد.

ولقد كتب الرئيس الأسبق «بليز كومباوري» وهو ما زال في ساحل العاج، كتب رسالة إلى الحكومة البوركينية الحالية يطلب منها المشاركة بالآراء والخطة «لإيقاف زحف الإرهابيين للبلاد»، وهي مسألة تحث على التساؤلات عما يخفي وراء هذا الخطاب، الذي من المفترض والمتوقّع أن يحوي اعتذارًا للشعب البوركيني عن الاتهامات التي وجهها إليه، أو الاستجابة إلى دعوة القضاة بالمحكمة العليا إذا علم أنّه بريء من أيّ تهمة بدلًا من كتابة رسالة على أساس إمكانيته إيقاف الإرهابيين عن القيام بالعمليات التفجيرية في بوركينا فاسو.

أمّا في زمبابوي، فالرئيس السابق المخلوع قبل موافقته على توقيع مستند التنحي عن السطلة كانت بينه وبين الجيش تعهدات على أساس أن تكون ممتلكاته محفوظة، ربّما يكون هذا الديباج هو الذي منع من إحالته إلى المحكمة المفتوحة، لكن البلاد علمت الهدوء والاستقرار السياسي حتى جعل المستثمرين يهرولون إليها لإعادة العلاقات التجارية الاستثمارية مع الحكومة الجديدة، وهذا دليل على أنّ البلد خرج من الأزمة السياسية بكلّ توفيق، وسوف يواجه التحديات الاقتصادية التي وقفت أمام الشعب الزمبابوي لمدّة أربعة عقود تقريبًا.

وإذا رجعنا إلى الربيعات العربيّة فسنجد أن جلّها فاشلة لعدم ضبط الحكومات الانتقالية استقرارًا تامًا، والمثل الأعلى هو الذي حدث في «جمهورية ليبيا»، أما تونس فالنجاح سياسي، لكن اقتصاديًّا ما زالت البلاد في مأزق بل أسوأ ممّا سبق، وفي مصر نجح الربيع نجاحًا ويمكن معرفة ذلك في تواصل المصريين إرسال البعثات إلى البلاد الأفريقية من أجل المشاركة في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية فيها، وجزاهم الله خيرًا، مقابل الجهود الليبية في توظيف معلم اللغة العربية في أفريقيا التي قد تلاشت وانقرضت مع سقوط الرئيس «معمّر القذافي»، ناهيك عن المشكلات الدّاخليّة المتشابكة فيها حتى الآن، وإلى متى؟ وما فائدة الرّبيع؟ أكان همجيًّا أم مخططًا؟

والربيعات العربيّة التي على أعين العالم راهنًا هي التي تحدث في سوريا حتى ومع الويلات التي تتكبّدها البلاد، إلا أنّ زعماءها ظلّوا على الكراسي المريحة، والشعب على حرج شديد، بل والاضطرار بالخروج لاجئين في البلاد أخرى، فالمسألة الحالية هي: هل السلطة تحكم البلاد ديمقراطيًّا لمصلحة الشعب أم لمصلحة نفسها؟ إذا كانت الحكومة تسوس البلاد ديمقراطيًّا لمصلحة الشعب فلماذا لا تتفاوض مع الشعب للبحث عن الحلول المناسبة للأزمة السياسية؟ سواءً لهم أو عليهم؟ تحت مفهوم تقديم مصلحة الدّولة ككلّ على المصالح الخاصة، أمّا إذا كانت الحكومة تسعى نحو تحقيق مصالحها الخاصة، فركوض الدّولة لا يكون فيه بأس عليها، وهل من الممكن الفرار من المحكمة الجنائية الدولة التي أسست لمحاكمة رؤساء البلاد النّامية إذا تراكم عدد القتلى والجرحى في البلاد؟

أما جمهورية الجزائر، فالسلطات الفرنسية خائفة من السياسات الجزائرية المستقبلية، بمعنى أنّ الرّئيس السابق «عبد العزيز بوتفليقة» كان جناحًا قويًّا للفرنسيين منذ استقلال البلاد إلى يوم خلعه من الحكم، فكيف سيكون نمط الحكومة القادمة؟ هذه المسألة التي تدور حول الأزمة الجزائرية التي لا شك فيه أنها نجحت سياسيًّا، لكن إداريًّا حتى الآن هناك تساؤلات!

وكذلك الأزمة السياسية السودانية الأخيرة، ينظر إليها العالم بل ويتابعون الأحداث يوميًّا، فالمسالة الرئيسية فيها تدور حول التساؤلات التالية:

لماذا يصرّ الجيش على أن تكون الحكومة الانتقالية عسكرية أو مختلطة؟ بينما يطالب الشعب بالحكومة الانتقالية المدنيّة البحتة وطمس الرّموز الموالين بالحكومة المخلوعة؟ يرى الكاتب أنّ الثقة لا ترجع إلى نفوس الثوّار طالما في داخل هذه الحكومة بعض من رموز الحكومة المنحلة، لذلك حتى الآن ليس هناك تقدّم ملحوظ في الظاهرة السياسية بعد الركن عمر البشير، وسوف تحدث بعض التغيّرات في المستقبل، والمخاوف التي تثير الجدل تدور حول احتمال اتخاذ الجيش موقفًا عسكريًّا لدعم وجهة نظره، فمن البديهي أن يستمرّ الشعب على النهج الذي أسقط الحكومة به، فهنا بؤر الفشل النهائي للثورة -لا قدّر الله- فأبواب الرّجوع إلى طاولة المفاوضات ما زالت مفتوحةً ،والعالم ينظر إلى السودان والجزائر حاليًا في الاستراتيجيات التي سيستخدمانها للخروج من هذه الأزمة.

وصلى الله على السيّد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد