أمّا الرّبيع الأفريقي الذي حدث في جمهورية مالي، والذي أدّى إلى خلع الرّئيس «مامادُ توماني توري»، الذي كان يلقّب بمؤسس الديمقراطية الصادقة في البلاد، لتطبيقه هذه الأيديولوجية بكل نزاهة، إلاّ أنّ قضية احتلال الجبهة الشمالية من المتمردين «الطوارق»، وزحفهم على الشعب المالي، لم يكن لمصلحة الرئيس الديمقراطي «مامادُ توماني توري»؛ فقام الشعب إثرها بربيع عنيف ضد الحكومة، أسفرت نتائجه عن هروب الرئيس وأسرته إلى خارج البلاد، خاصة إلى جمهورية السنغال في عام 2012 فتشكلت حكومة انتقالية ثم الانتخابات، وقد نجح شعب جمهورية مالي في الخروج من الأزمة بشكل إيجابي، بمعنى أنه لم يحدث هناك فوضى وشغب، ناهيك عن الحروب الأهلية بنية التكالب على السلطة.

ومن الربيعات الأفريقية، الرّبيع «البوركيني»، وهو الذي حدث في بوركينافاسو، امتاز هذا الرّبيع «بالديناميكية»، إذ إنه زرع وحصد في يوم واحد، لكن كانت جذوره قديمة، ابتداءً من فجر تولي الرئيس «بليز كومباوري» الحكم بانقلاب دموي بموجبه لقي الكابتن «توماسنكارا» حتفه، ثمّ تلا الانقلاب عمليات تصفية غليظة على مساندي الرئيس المقتول، ثمّ إخراج الحكم من الطابع الثوري العسكري إلى طابع مدني، يتيح الفرص للمظاهرات الديمقراطية.

لكن الشعب قام بالمظاهرات لعدّة مرّات، ولم تسفر هذه التكهنات عن أي نتيجة ملحوظة، وصاحبت قضية مقتل الكابتن «توما سنكرا» اغتيال الصحفي «نوربير زوغو» فاشتدّت المظاهرات من قبل طلاب الجامعات والمدارس يطالبون فيها بإلقاء الأضواء على مقتل «توما سنكرا» أوّلاً، وثانيًا مقتل الصحفي المدافع عن الحق ولا شيء سواه، وتقويم الاعوجاج في السياسات الخارجية، مع كلّ من ليبيريا، وغينيا، والحروب الأهلية في ساحل العاج الجار لبوركينا فاسو، التي يدّعي الكل أنّ الرئيس «بليز كومبوري» له يد في هذه المشكلات.

كلّ هذا جعل المواطن البوركيني لا يتمتّع بالبوركينية التي تقصد بالاستقامة، مع أنّ الرئيس «بليز كومباوري» بنى الدّولة البوركينية بشكل ممتاز، التي عرفت حضارة فائقة وسريعة خلال 27 سنة، إلا أن الظروف الدّاخلية التاريخية والوسطية والرّاهنة، والتدخّل في الشؤون الحربية لبلاد الآخرين، لم يفرح به المواطن البوركيني، الذي مع فقره يريد الإنسانية والحرية، لاسيما مع جيرانه، كما لا يريد تنكيس الرّأس أمام أحد بأخطاء قام بها رأس البلاد، مع ذلك صبر مع الحكومة عدّة مرّات، لتنتهز هذه الفرصة لترتيب نفسها، والتخلّي عن الحكم بكل احترام ووقار؛ نظرًا للعمل الجبار، والجهود التي وفّرتها في تطوير البلاد البوركينية.

لكن الرّئيس كلما انتهت المرحلة الدستورية للحكم، ويكون واجبًا على الحكومة التخلي عنه ليتخذ غيره المسيرة، يقوم الرئيس «بليز كومباوري» الذي يتمتّع بنفوذ ضخم، باجراء استفتاء عام، ثم تعديل الدستور ليعطيه مهلة للاستمرار في الحكم، ولمّا أكمل 27 عامًا في الحكم، قبل إجراء الاستفتاء شاوره الشعب بالتخلي عن الحكم، معزّزًا مكرّمًا، القضايا الدّاخلية يمكن نقاشها وطنيًّا للبحث عن الحلول التي لا يرى أحد أنّه مظلوم، أو مقموع حقّه فيها، لكنّ الرئيس كالعادة لم يستمع إلى نصيحة الشعب، واتبع قوّة إرادة المواصلة بالحكم.

اليوم الذي حدّد لإجراء الاستفتاء على كافّة الشعب البوركيني، وهي عملية سياسية تجعل تعديل الدّستور قانونيًّا للاستمرار قانونيًّا – وللأسف- في اليوم نفسه قام الشعب بثورة عنيفة لم يحدث مثلها بعد في تاريخ البلاد، أراد الجنود أن يقاوموا الشعب، لكن في النهاية أدركوا بأنّ همّة الشباب فاقت المستوى الذي كانوا يظنونه، فحوّلوا هدفهم من مقاومة الشعب إلى الحفاظ على ممتلكات الحكومة، أمّا الرّئيس فهو راحل كرهًا إلى بلاد الجوار، بلد زوجته وأولاده «ساحل العاج»، فنجح الربيع، ثمّ تلاه الحكومة الانتقالية التي رأسها «ميشيل كافاندو» الذي ليس له حقّ لترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية بعد الفترة الانتقالية، وبعد سنة أجريت الانتخابات بطريقة نزيهة، شاركت فيها جميع القوى السياسية، والدّينية، والمدنية، واختاروا الرئيس «روك مارك كريستيان كبوري» رئيسًا للدولة في شهر نوفمبر عام 2015.

سوف نلتقي في الجزء الثالث للجولة حول بقية الربيعات الأفريقية، مع دراسات تحليلية لها، مع السلام، وفي أمان الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد