عفرين صراع إرادات دولية

يغيب عن السوريين أن ما يحصل على أراضيهم هو صراع إرادات دولية، وأن الاقتتال الواقع وإن كانت صورته سورية سورية تركية لكن حقيقته هو كسر إرادات بين صناع السياسة في سوريا أمريكي روسي بشخوص تركية كردية وعربية وسنية وشيعية.

ويصدق على أن ما يحصل في سوريا إنما هو صدام الجهالات وتصفيات الحسابات العالمية الأمر الذي أطال عمر النظام، وجعل الكثير من السوريين من حيث يعلمون أو لا يعلمون بنادق مأجورة، وبيادق تحركها رغبات الكبار الذين يداعبون مشاعر الصغار نظامًا ومعارضة على الخارطة السورية فيمنون الجميع، وجعلوا الكل في حالة شهوة يطير العقل معها، ولكنها متعة مؤقتة مشحونة بلذة وبألم يشوبه دمار وعبث.

يسيطر على كثيرين من السوريين عقلية التشفي والاقتتال ظاهر ذلك كله (حرية) وباطنه (تدمير) للبنية الاجتماعية والنفسية وبيد السوريين بعد أن صدر القرار الدولي أن سوريا صفر مقدرات وأن سوريا بلا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل أي أن البلد بلا ذاكرة، كما أن الرياسة الأمريكية وإن اختلفت في الظاهر مع الروس إلا أن الكل تحت السيطرة فتركيا والنظام والمعارضة في خانة الحضور الوظيفي لما يطلب منهم.

لقد استطاعت الإدارة الامريكية توريط روسيا في حرب وإن ظهر للبعض انتصارها الوقتي لكنها خاسرة، واستطاعت أمريكا جعل تركيا تستنزف في المستنقع السوري، وجردت الولايات المتحدة الأمريكية بشار الأسد من أي قرار فكل القرارات خارجية.

وما يحصل في عفرين ليس عنا ببعيد، فالكل يقاتل الكل، القومية ضد الدين، والطائفة ضد الوطن، وهكذا يتم نسف مقدسات الإنسان السوري كلها عقائد وعلم اجتماع ونسيج شعبي كل ذلك مستصحب بسخاء في الدم بين قائدنا للأبد سيدنا محمد وبين علمانيين لاهثين وراء مكاسب ومناصب، وبين أتباع قومية يظنون اقتراب تحقيق الحلم في مشروعهم السياسي.

لكن للأسف الكل في غم وهم ووهم في الانتصار والكل دمه يهرق بالمجان.

إنه القتل المجاني حيث يتلاعب بهم من هو في الخارج، فيسطر للسوريين أوهامًا في تحركاتهم ثم ما تلبث أن تتبخر تلك الوعود ليقع السوريون في أزمة جديدة لا تخدم إلا إطالة عمر النظام.

عفرين والخذلان السوري

الملاحظ أن المعارضة لم تسجل في غالبها موقفًا وطنيًا مستقلًا يتناسب مع الكارثة التي ستحل على سوريا بعد عفرين، قد يتساءل البعض ما هي الكارثة على السوريين بعد سقوط عفرين؟

لماذا عفرين؟

عسكريًا لم تبق على الأراضي السورية قوة منظمة عسكرية إلا قوات سوريا الديمقراطية، وقوات النظام وقد أثبتت الأولى رغم وجود بعض الانتهاكات فاعليتها وجهوزيتها وتنظيمها المتقن، وكان لابد من كسر أي رأس عسكري لتظل السيادة لجهة النظام وعتاده وقواته الرديفة.

الخذلان السوري

المسيطر على المشهد السوري هو الغزل العام للقرار التركي بل والنفاق أحيانًا واستثارة عوامل البغض والتحريض البيني وما بيان الإخوان المسلمين إلا يصب في فقدان السوريين وتنظيماتهم أي استقلالية.

حيث يتهم كل طرف الآخر بالعمالة لجهة خارجية، والحقيقة أن تأملًا حياديًا وطنيًا بعيدًا عن العاطفة الدينية أو القومية سوف يظهر أن الكل على الساحة السورية في خانة المفعول به، وأن الجميع بلا قرار ذاتي، وتجلى عن ذلك الوهم المقدس للذات وتدنيس الآخرين احتقان، وانقسام وعداء، وهو ما ضيع صفة الوطني عن كثير من الممارسات.

ليس في العقل السوري السياسي في غالب أصواته أي حيادية مما رفع رايات التشنج والاحتقان والمواقف المتشبعة بأجواء الدم.

ما يحصل في عفرين هو اعتداء خارجي، ولا يمكن تبريره بحجة أي حزب كردي، وهذا الاعتداء يتنافى مع السيادة الوطينة، ويخضع لتجاوز وانتهاك قانوني تحت بند الاعتداء حيث أصدرت الجمعية العامة بالأمم المتحدة التوصية رقم (2131) في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1965، وكان عنوانها «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحماية استقلالها وسيادتها»، ونصت على تحريم كل أشكال التدخل، والامتناع عن السماح أو مساعدة أو تمويل كافة النشاطات المسلحة والإرهابية لتغيير الحكم في دولة أخرى.

كذلك أصدرت الجمعية العامة بالمنظمة الدولية إعلان مبادئ القانون الدولي في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1970، ونص على «ليس لدولة أو مجموعة من الدول الحق في التدخل المباشر أو غير المباشر ولأي سبب كان في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى. ونتيجة لذلك اعتبار ليس فقط التدخل العسكري بل أيضًا كل أنواع التدخل أو التهديد الموجه ضد مكوناتها السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية مخالفًا للقانون الدولي».

إن الاعتداء التركي يبرره قانونيًا توقيع الدولتين السورية والتركية اتفاقًا أمنيًا بمدينة أضنة التركية يوم 20 أكتوبر 1998، وشكل ذلك الاتفاق «نقطة تحول» رئيسية في مسار العلاقات بين الدولتين:

1- تعاون سوريا التام مع تركيا في «مكافحة الإرهاب» عبر الحدود، وإنهاء دمشق جميع أشكال دعمها للحزب الكردستاني، وإخراج زعيمه أوجلان من ترابها، وإغلاق معسكراته في سوريا ولبنان (كان آنذاك خاضعًا للوصاية السورية المباشرة)، ومنع تسلل مقاتليه إلى تركيا.

2- احتفاظ تركيا بـ«حقها في ممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس» وفي المطالبة بـ«تعويض عادل» عن خسائرها في الأرواح والممتلكات، إذا لم توقف سوريا دعمها للحزب الكردستاني «فورًا».

3- إعطاء تركيا حق «ملاحقة الإرهابيين» في الداخل السوري حتى عمق خمسة كيلومترات، و«اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرض أمنها القومي للخطر».

4- اعتبار الخلافات الحدودية بين البلدين «منتهية» بدءًا من تاريخ توقيع الاتفاق، دون أن تكون لأي منهما أي «مطالب أو حقوق مستحقة» في أراضي الطرف الآخر.

وعلى الرغم من أن تركيا لا تنتظر مبررًا قانونيًا لعدوانها المسلح والذي يتناقض تمامًا مع شعاراتها بالمحافظة على الدم السوري وظهور السيد أردوغان بشكل مسلم يبكي على مسلمي الروهينجا، إلا أنه ورط الشعب السوري بهدمه أي وفاق اجتماعي ونقل مشاكل تركيا من بلاده إلى الداخل السوري، فتناقل السوريون الكثير من الشعارات التركية في التعامل مع الكرد ونعتهم بأنهم دواعش القوميات ونعت الأحزاب الكردية بالانفصال وصدقه الكثيرون من السوريين دون وعي.

ثم جاءت الضربة التركية على عفرين لتعكس حقيقة الواقع السوري:

1- ضعف العاصمة السياسية في دمشق وهو ما يعني أن بشار ليس بخير، وأن سوريا محتلة من جيوش عالمية وأن بقاء بشار لم يعد بيده.

2- فاعلية القرار الخارجي وهذا يدل على فقدان السوريين الجسم السياسي السوري الحقيقي المعتبر والذي يعبر عن مطالب الشعب حيث لم يستطع جسم سياسي معارض له ثقله قول لا لتركيا.

3- نجاح الإرادات السياسية الخارجية في تزييف الوعي السوري وتجييش السوريين للاقتتال الداخلي.

4- سقوط السوريين في فخ النظام والمتمثل بحرب بين كل المكونات.

ولا يعفي هذا من كان سببًا في النفق الذي دخلت فيه عفرين بل وكل سوريا، وهذا ما لم يتوقف عنده الكثير من السوريين.

فما أسباب هذا المأزق السوري العام؟ لابد من الاعتراف إلى وجود عوامل داخلية وخارجية أدخلت سوريا الدم والظلم بين مكوناتها، فمن العوامل الداخلية:

أولًا: ضمور الوعي وسطحيته، والذي كرس ضياع الاستقلال السياسي لكل السوريين وبلور تأثير السلطة في خلق جيل ورؤى قاصرة فطالت اللحى وتحول الدين إلى سكين والقومية إلى سور عزلة والوطن إلى مجانين والكل يذكرك بما قاله محمد الماغوط الفرح ليس مهنتي.

ثانيًا: ضياع الهوية الوطنية الجامعة وعندما تتشظى الهوية الوطنية ينحاز المكونات إلى الهويات الأصغر فيترك الدين إلى الطائفة ويتحول الإنسان من الوطن إلى القومية ويتعذر الانتماء للوطن ويتمترس المنتفعون بعصا السلطة وتجار الدم ومافيا الحروب.

ثالثًا: فقدان الثقة بين الجميع، وهذا سلوك النظام المتبع حيث ضرب الكل بالكل وحطم أي محور استقطاب ونزع الاحترام عن كل شخصية معارضة ودمر نسيح العلاقات الاجتماعية.

أما العوامل الخارجية:

توافق جميع الشركاء الدوليين على إطالة عمر بشار وتوريط الشعب السوري في تصفية الخصوم على أرضه وكذلك خلق مشاريع استثمارات ومواقع نفوذ جديدة كما أنه وبفضل الواقع السوري تم تصدير أكداس من السلفية الشيعية والسنية والمتطرف القومي العربي والكردي إلى سوريا وتم وضع الكل تحت السيطرة وتسلميهم السكاكين لذبح بعضهم بعضًا.

عفرين وسقط القناع

يثبت وبدلالة واضحة الخطأ المشترك من قبل بعض العرب حيث تم اغتيال مشروعهم في تحقيق دولة مواطنة، وانصياعهم لتركيا التي لم تحقق لهم إلا المزيد من الخسائر، كما أن ثمة قصورًا في المواقف الكردية التي رفعت رايات جلبت لهم وللكرد مبررات الاعتداء على عفرين، وكذلك فشل وكذب الترك في خدمة أي مشروع سوري بل وسعيهم لتثبيت أركان النظام السوري، كما يقول د. برهان غليون إن القيادة التركية (أخفقت في الاستجابة السريعة والجدية لتحديات الثورة السورية وفشلت منذ عقود في إيجاد حل للقضية الكردية الملتهبة في تركيا نفسها، ووضع حد للحرب الكردية التركية الطويلة الكامنة والمتفجرة معًا. وهي أخطاء أكبر ارتكبتها مؤسسات المعارضة السورية التي أظهرت باستمرار، وتقريبًا في كل المنعطفات، ذيلية لا تحسد عليها تجاه الدول الصديقة أو الداعمة بدل أن تبادر إلى التوسط وإطلاق مبادرة لتحييد عفرين، وإخراج المقاتلين، وحماية المدنيين، وفتح حوار داخلي حقيقي يضمن التوافق بين مطالب المجتمع الكردي المشروعة ومصالح الشعب السوري ويساعد على الحفاظ على وحدة سورية واستقلالها وسيادتها، وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية سليمة، والتعاون على إخراج جميع القوى والميليشيات الأجنبية من أراضيها.

مهما كانت النتائج لهذا التدخل التركي ستكون عواقب استمرار هذه السياسات الخاطئة وخيمة على السوريين أولًا، عربًا وكردًا، وعلى المنطقة والاستقرار الإقليمي ثانيًا، وعلى ثقة شعوبنا بالمستقبل أيضًا.

لن ينقذنا ويضع حدًا لجرينا المريع نحو الانتحار سوى مراجعة جدية وعميقة من قبل جميع الأطراف لهذه الأخطاء الماضية الحاضرة، والاعتراف الحقيقي والمتبادل بالحقوق المتساوية، والمصالح المشتركة في الأمن والسلام والاستقرار والازدهار.

جميعنا، عربًا وكردًا، أكثرية وأقلية، مسلمين وغير مسلمين، محرومون، في ظل الاستبداد المقيت والتدخلات الأجنبية، من وطن يحمينا، ويحفظ حقوقنا، ويلبي تطلعاتنا إلى الكرامة والحرية، وجميعنا اختار الطريق الخطأ للتعبير عن هذا التطلع المشروع والنبيل، ووسائل تحقيقه في الواقع.

وجوهر هذا الخطأ، الواحد والمشترك، الذي لغم خططنا جميعًا، وأجهض خياراتنا، منذ عقود وحتى الآن، هو اعتقادنا، في مناخ غياب الحوار وانعدام التفاهم، بفعالية مبدأ فرض الأمر الواقع، سواء جاء بالقوة الذاتية أو بالعنف المستعار، والرهان على التدخلات الخارجية، حتى لو احتاج الأمر إلى التواطؤ مع الأجنبي، والعدو أحيانًا، ضد الأطراف الأخرى المحلية والشريكة في الوطن، بل ضد الوطن نفسه.

ومن المؤكد أنه من منطق فرض الأمر الواقع لا ينبع أي حل، وإنما تعميق الخلافات وتأجيج النزاعات ودفع الصراع إلى مزيد من التعقيد، وتأجيل الحل إلى ما لا نهاية، إن لم يكن جعل أي حل مستحيل المنال).

عفرين لن تسقط فالمغضوب عليه من قبل أن يكون قاتلًا ويقتحم أراضي غيره لتصفية حساباته السياسية وتمزيق لحمة الوطن والدين والإنسان والضال من استثمره الآخر ليكون سكينًا بيد الأمريكي أو الروسي أو التركي أو الإيراني لذبح إخوانه الحل في المصالحات وإيقاف الدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد