يستوقفني حوار رب العالمين مع ملائكته عند خلق آدم، الذي سرده – تعالى – في سورة البقرة، حيث قال: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»، والشاهد في الآية أن الله وضع الأقدار ثم وضع الخليفة الذي سيعيش هذه الأقدار، أي أن الدنيا وُضعت قبل البشر، وبلغة المهندسين «الأساس قبل البناء»، والمنطق يؤكد أن العقل يفكر قبل التنفيذ، والنظرية توضع أولا ثم يأتي الذي يقوم بالتطبيق.

وفي عصرنا الحديث، عشنا ونعيش وسنعيش قصة فرعون، ونجد دائما أن فرعون موجود، وكذلك هامان، وجنودهما، كما أن سحرة فرعون – حتى التائبين منهم – حولنا، ورغم تواجد كل شخصيات القصة القرآنية الشهيرة إلا أن بطل القصة ومخلّص الناس من عذابات الفرعون ليس موجودا بيننا، ورغم أن حواره محفور في ذاكرة الكثيرين، ومحفوظ بعهد الله «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، ورغم أننا نملك – ولو حتى من القصة القرآنية – منطقه وهداه وأحداث قصته، إلا أننا نصرّ دائما أن موسى ليس بيننا، ليس بيننا المنتظر المخلّص، والقائد الذي نتبعه.

«صلاح الدين محرر الأقصى».. «الخليفة العادل عمر».. «وامعتصماه».. كلمات نحفظها عن ظهر قلب، ونحفرها في عقول أبنائنا وأحفادنا، مكتفين بذلك فقط، منتظرين معهم صلاح الدين ليحرر الأقصى مرة أخرى، وابن الخطاب الذي سيحكمنا بعدله، والمعتصم الذي سينجد الضعفاء من كلاب الروم.

لم نفكر يوما أن نخبر أنفسنا قبل أبنائنا أن الأبطال والقادة لم يكونوا أكثر من بشر، ولهم حياة مثل التي نحياها، ولكن مشكلتنا كبشر أننا نقدس البشر لا الأفكار، ولا نعلم أن البشر الذين نقدسهم قد اكتسبوا شهرتهم وقدسيتهم لأنهم قدسوا الأفكار لا البشر، فمنهم من قدّس حب الله ومنهم من قدّس حب الوطن والجهاد، وحتى الفاسدين منهم والذين قدّسوا فكرة الملك والسطوة والسلطان هم أيضا مقدسو أفكار لا أجساد، ولتسأل نفسك عن إسلامك وإيمانك وعبوديتك لله، هل هم بشر؟!

الله قدّر أن يكون ابن عبد الله – عليه صلوات ربه – آخر الأنبياء، لكنه لم يتركنا منذ أكثر من أربعة عشر قرنا دون أنبياء حتى اطمأن على كمال واكتمال القاعدة والأساس «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا»، وهو ما أكده محمد – صلى الله عليه وسلم – بقوله: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي»، فالدولة الإسلامية استمرت بعد الرسول، وكذلك بعد الصديق والفاروق والحييّ، وحتى بعدما ظن الكل نهايتها بعد خلافة أبي تراب وحادثة التحكيم، عادت واستمرت قرونا وقرونا، ورغم أن التاريخ الإسلامي، طبقا للدرس الأكاديمي، ينتهي بنهاية الدولة العثمانية واحتلال الإنجليز لمصر عام 1882، إلا أننا يوميا في دروسنا ومساجدنا وحلقات العلم وحتى في دعائنا، نؤكد أن الإسلام محفوظ ومستمر بحفظ القرآن «أساس الدولة»، وليس لوجود الأنبياء بيننا، أو من يقوم على تنفيذ تعاليم الدين.

وأما بعد، بالفعل ليس بيننا موسى، لكن كلنا نندرج تحت بند خليفة الله، وما كان آدم الخليفة الأوحد، إنما هو الخليفة الأول، فموسى يعيش فينا، يستقر في داخلنا بمنطقه وعقله وإيمانه ودعوته للهداية، لا أنكر فضل الأشخاص الذين أقاموا حضارات أو كان لهم دور رائد في نهضة أممهم، لا أبخس دور العالم في تطبيق النظرية، فبدون العلماء تظل النظريات أحبار على أوراق العلوم، وبدون الرسل تظل الرسالات حبيسة السماء، لا أقول إن الجيش ذي الخطة المحكمة ينتصر دون قائد، لا أدّعي أن الأفكار وحدها دون المؤمنين بها والساعين لنشرها تحقق النجاح، ولا أبغِ من كلامي إقناعك بأن الأفكار تنتشر دون أبطال، إنما الأمر طبيعة فطرية، فالانسان يفكر ثم ينفذ، كذلك هدي موسى باق، حتى وإن لم يكن بيننا موسى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

موسى
عرض التعليقات
تحميل المزيد