ليس كل متلقٍ يفهم الدرس، ولا يصبح الدرس درسًا، إلا إذا تعلمناه، ولا كل محنة يخرج ـ بالضرورة ـ من رحمها منحة ، إلا إذا أحسنا ترجمتها !

الانقلاب درس «للثوار عامة، وللإخوان خاصةَ» باهظ الثمن، ولكن الثمن الفادح حقًا، أن يكون كذلك، ثم لا نتعلمه، ولا ننظر لكل حجر تعثرنا فيه؛ حتى لا نسقط مرة أخرى، أم هل ندَّعي بالكلام أننا تعلمنا، ثم لا يُترجم ذلك الكلام إلى واقع ملموس، وتجد القافلة تسير في نفس الطريق بنفس الطريقة، ولم يحدث تغيير حقيقي!

أول طريق العلاج توصيف المرض، والمشكلة المكتوبة نصف محلولة، ولا عمل دون تنظير؛ وعليه هل نظرنا لأخطائنا؛ حتى نتلافاها في الحاضر والمستقبل؟ لا أعني أن نقف عند «كربلاء» الماضي؛ نجلد الظهور، ونلطم الوجوه، بل لننظر إليها نظرة متوازنة ناقدة لمواضع الإصابة والخطأ والقصور، ثم نضع في ضوء ذلك مشاريع واقتراحات ورؤى، وأعجب أنه إلى اليوم لم ينشر كتاب أو دراسة موسعة «لهيئة أو لجنة» عن المرحلة السابقة، لا أتحدث عن الأعمال الأدبية والإيمانية والتوثيقية، بل أعني عملًا فكريًا سياسيًا .

وأرجو ألا يكون الرد «وأين رؤيتك ومشروعك؟»؛ لأن الفرد لا يستطيع بمفرده ـ إلا الفذ النادر ـ أن يكون عنده رؤية متكاملة، بل حسبي كفرد أن يكون عندي مقترحات أو دراسات أو رؤى ناقصة يستفاد منها كرافد يغذى الرؤية الأم، ثم أكون جزءًا من المشروع الكبير بجهدي ورأيي، ولذلك أوجه كلامي للمؤسسات والرموز المؤثرة لا للأفراد.

ويؤسفني جدًا نظرة المتحمسين لانتماءاتهم إلى من ينتقد الأخطاء، بين شخصنة الحوار، أو الدفاع عن المخطئ؛ لأنه في السجن، أو لأنه قد عمل وضحّى كثيرًا، وإن كان هذا يدعوني إلى احترام الأشخاص، إلا أنه لا يعفيهم من النقد، وتحميل الخطأ، وآخر ينهاك عن النصيحة؛ لأنه ليس الوقت المناسب، فكيف نُقِر ابتداءً أننا في محنة لنتعلم منها، ثم نرفض بعد ذلك أن نتعلم؟ نهيتمونا عن النصيحة، وقت الحكم؛ حتى نعطي الفرصة، ونهيتمونا بعده؛ لأنهم في السجون! فمتى ـ برأيكم ـ نتحدث؟ إننا لن نتغير حقًا، إلا بعد أن نحطم أصنام الأشخاص، والمؤسسات، ونتجرد للحق والمبادئ.

وانظر إلى هذا الذي ينتفض للدفاع عن مواقف وأشخاص تحتمل الخطأ والصواب، ثم انظر إلى آيات القرآن التي لم تخلُ من عتاب للنبي، ولوم لصحابته عند الخطأ، مثلًا في قول الله تعالى: «ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة … الآية»، وبعد غزوة أحد، والصحابة في قمة الألم، لم يمتنع الله عن توضيح الخطأ: «أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم» ولا يجوز أن نقول هنا «كيف يلوم الله على الضحية، ولا يلوم على القاتل، وكيف يحملهم فوق طاقتهم، وفيهم ما فيهم من الجراح؟» بل نعلم أن الله تعالى رؤوف بهم، لكنه يعلمهم الدرس، وجراحهم لا زالت تنزف؛ ليطرق على الحديد وهو ساخن.
وفيها أيضًا رد على من يقول «النصيحة على الملأ فضيحة» ففي مقامنا اليوم «النصيحة على الملأ فريضة!» لسببين:
أولًا: أن هناك فرق بين الخطأ الشخصي الذي تنصح صاحبه في السر وبين القضايا العامة والسياسية وأخطاء الأحزاب والجماعات والرموز الذي يجب أن ننكره ونصححه ونوضحه لجميع الناس ونشكل رأيًا عامًا تجاهه.
ثانيًا : النصح وتقديم المقترحات بشكل مؤسسي لا يصل صداه بالشكل المطلوب خاصةً في هذه الظروف الاستثنائية، وهذا ما لمسناه في السنوات الأخيرة، وأظننا لو كنا نسمع للنصائح الصادقة ما كنا وصلنا لهذا الحال!
وتأمل أن الله لم يستحي أن يلوم الصحابة، وهم خير البشر بكلام عام، بل بقرآن قرأه كل الناس في عصرهم، ونقرأه إلى يوم القيامة، ولم يكن في هذا نيل من كرامتهم، ولا فضيحة لهم، ولا تشميت لأحد بهم!

وليس منتهى الأمر أن نقول: أصبنا في كذا، وأخطأنا في كذا؛ فمعظم الناس يستطيع اليوم «بعد أن اتضح الموقف» أن يُقيِّم ما حدث بسهولة، وكما يقولون «العالم يرى الفتنة وهي مقبلة، والناس لا يرونها إلا وهي مدبرة» ولكن المرجو أن نستخلص من المواقف العبر، ونستنبط من الأحداث سنن وقوانين الحياة، ونفهم من التاريخ فلسفة التاريخ، ونخرج من التحليل والنظر بفكر أفضل ومنهج أنسب للواقع، وإن كانت الأديان تتجدد فروعها بما يناسب العصر، فالفكر والسياسة أولى بالتجدد، والثبات على أي منهج، أو آليات، دون مواكبة المستجدات جمود يكلف أبناءه الكثير.

حان الوقت لفتح مساحة حقيقية مع كل من يملك رأيًا أو رؤية لنقاش جاد ومثمر؛ ينجب لنا رؤى ومشاريع كبيرة واضحة، ثم إسقاطها وتطبيقها على المحاور والملفات المختلفة، ثم على ضوئها تُناقش الأزمة الحالية، وتوضع خطة وحلول واقعية للخروج منها، ويوضع أنظمة إدارية للحركات القائمة تسمح بتداول زمام القيادة، بل حسابها ومساءلتها، وأيضًا التوظيف حسب الكفاءة، ووجود نظام شورى حقيقي.

المعادلة واضحة ومطَّرِدة، وقوانين الكون لا تحابي أحدًا، حدث ما حدث بأخطائنا، ولن ينتهي، إلا بتصحيحها «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد