يعيش شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج في أجواء من الفرح والابتهاج والتفاؤل بعد توقيع حركتي حماس وفتح اتفاق المصالحة في القاهرة، والاتفاق على البنود التي لطالما كانت محل خلاف، وكانت الرعاية المصرية الكاملة للمصالحة برئاسة وزير المخابرات المصرية أحمد فوزي، والذي كان يتابع المجريات عن كثب، وقام بزيارة لكل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتختلف المصالحة هذه المرة في سرعة وتيرتها وتنازل حماس عن كثير من البنود وتقديم كافة التسهيلات اللازمة لإجراء التوافق الوطني، وكل ذلك من باب حرص الحركة على مصلحة الشعب الفلسطيني أولًا، وإعادة الوحدة وبناء مؤسسات السلطة الفلسطينية من جديد بالتوافق مع كافة الفصائل الفلسطينية، والعمل على تشكيل مجلس وطني يضم الجميع، وتنازلت الحركة عن حقها في تشكيل الحكومة الذي استحقته في أعقاب انتخابات 2006، وكذلك كان هناك جدية وقرار ذاتي من جانب فتح للعودة إلى العمل الوطني مع  الفصائل، وعدم التجاوب مع الضغوط الصهيونية.

حماس وفتح وتباين الاستراتيجيات السياسية 

من المعلوم أن حماس تتبنى الفكر المقاوم ذات المرجعية الدينية الإسلامية، وهي لا ولن تفاوض على سلاحها، وكان أحد شروط الجلوس للحوار عدم الخوض في الحديث عن هذا الأمر، على النقيض تنتهج حركة فتح من خلال منظمة التحرير الفلسطينية مفاوضات التسوية مع الاحتلال، وكما يعلم الجميع فإن خيار المفاوضات كان باهظ الثمن على أهلنا في الضفة الغربية، فالمستوطنات ابتلعت أراضيها، والحواجز تعيق حركة التنقل، بالإضافة لعشرات المعيقات التي يسببها الاحتلال في حين يحصل على خدمة مجانية من أجهزة أمن السلطة التي تعمل على التنسيق مع جيش الاحتلال، وأما غزة فهي دفعت ثمن صمودها واختيارها نهج المقاومة فهي تعيش في حصار خانق منذ أحد عشر عامًا، وخاضت ثلاث حروب طاحنة، ودمرت فيها مظاهر الحياة إلا أنها تأبى أن تلقي سلاحها.

وفي ظل هذا التباين والاختلاف، فإن على الحركتين استدراك هذه النقطة من خلال بلورة رؤية مشتركة بالتعاون مع باقي الفصائل، تكون مبنية على أساس وطني، وتبقي على قوة الموقف الفلسطيني، وتعمل على محاربة ممارسات الاحتلال، وكذلك لا بد من وجود تعاون مشترك في إدارة قرارات السلم والحرب والمفاوضات مع الاحتلال، والكثير من النقاط المهمة.

قطاع غزة وعقبة الموظفين 

حتى الآن لا يوجد قرار رسمي بخصوص موظفي غزة الذين تم تعينهم خلال فترة الانقسام، ولكن يبدو أن الاتجاه الغالب يتجه نحو إعادة دمج الموظفين السابقين مع موظفي حماس، وإنشاء صندوق خاص برواتب موظفي غزة، على أن يسبق هذه العملية تشكيل لجنة خاصة لمعاينة أوضاع موظفي غزة، وبخاصة موظفو أجهزة الأمن، على أن تكون هذه اللجنة بالتنسيق مع الجانب المصري، وخلال فترة عمل اللجنة يتم صرف دفعات مالية لموظفي غزة حتى انتهاء عمل اللجان وتوثيق البيانات بشكل نهائي.

تشكيل الحكومة ومدى التزامها تجاه غزة 

خلال فترة الانقسام كانت غزة بسكانها هي الضحية الأولى، وحتى بعد تشكيل حكومة التوافق لم يكن هنالك أي التزام لها تجاه غزة، ولكن اليوم يدور الحديث عن استلام كامل لحكومة الحمد لله، وتمكينها من ممارسة عملها، ولربما ستستمر بالعمل لفترة انتقالية حتى إنجاز ملفات الموظفين والمعابر، وإعادة بنية الحكومة في غزة، وبعد ذلك سيتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل الفصائل الفلسطينية تعمل على تجهيز الساحة الفلسطينية لمجموعة من الاستحقاقات السياسية أهمها إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية، والعمل على إعادة التوازن للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.

موقف حكومة نتنياهو من المصالحة 

الاحتلال الإسرائيلي كان أكبر المستفيدين من الانقسام الفلسطيني، هو كان أحد أكبر العقبات في إحداث التوافق الوطني على مدار السنوات السابقة، وكان يعمل على بث الفتن في الشارع الفلسطيني، ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية أوعزت لنتنياهو بتجنب الحديث أو إبداء أي عراقيل تجاه المصالحة، وذلك لما يخطط له ترامب من العمل على ما يسمى بصفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، ودعوة العالم العربي والإسلامي للتطبيع مع إسرائيل بوصفها دولة قائمة وحليفًا للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي تُحدث تغييرًا شاملًا في سياسة الشرق الأوسط وتأمن على دولة إسرائيل، مع تسويق السلام الوهمي على العالم، وإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينين في الخارج وتجنيسهم بجنسيات عربية وأوروبية، وربما مصر تقدم للسلطة جزءًا من سيناء من أجل اللعب على وترين أولهما الراحة من سيناء والعبء الأمني الذي يرهق الجيش المصري والدولة المصرية، وثانيهما المساعدة في استقرار قضية فلسطين وعمل سلام مزعوم.

حماس والرؤية المستقبلية للقضية في ظل التغيرات الإقليمية 

حماس تتميز بأنها ذات مرجعية وأرضية عقائدية قوية، ولكنها تمتلك المرونة السياسية لتحقيق الأهداف العامة وفق مبادئ الحركة، وهي تحمل مشروع التحرير الكامل لكل فلسطين، ولطالما تجاوزت كافة المؤامرات التي حاقت بها، وكذلك فهي تمتلك جيش القسام وترسانة عسكرية تؤهلها للدفاع عن الشعب الفلسطيني على الأقل خلال الفترة الحالية، وسلاحها غير قابل للمساومة.

حماس عملت على السير مع التغيرات التي طالت المنطقة العربية، وقامت بتنحية نفسها عن الأزمات العربية، وعادت لتبني العلاقات مع مصر في أعقاب توترها بعد سقوط الرئيس محمد مرسي في انقلاب عسكري قاده السيسي، وهي لم تتدخل في الأزمة الخليجية، وجعلت علاقتها بإيران ضمن إطار دعمها ومساندتها للمقاومة الفسطينية، وهي تعمل على محاربة كافة أشكال الإرهاب والتطرف الفكري في كل مكان داخل حدود فلسطين، وهي أكدت من خلال وثيقتها الجديدة هذا العام أنها تعمل سياسيًّا وعسكريًّا فقط داخل حدود الوطن كحركة تحرر من الاحتلال.

والله نسأل أن يكون هذا الاتفاق فيه الخير لشعبنا وأمتنا، وأن يكون مقدمة لوحدة عربية وإسلامية نتجاوز بها كافة الخلافات الراهنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد