رغيد الططري أقدم سجين في العالم على قيد الحياة ما زال في سجون النظام السوري

محكمة عسكرية تقضي خلال خمس دقائق حكمًا بالسجن المؤبد ضد إنسان.. لا شيء منطقي فيما يتعلق بهذه القضية. ولد الإنسان حرًا ولم ترتض له قوى الاستبداد حريته، أين ما وجد الاستبداد السياسي تضيق الأوطان بحريات مواطنيها، حتى لم يعد الوطن إلا سجنًا يلتهم عمر كل صاحب فكر او رأي او عاثر حظ لا يستطيع الإفلات من هذا السجن الكبير. ولعل في مأساة المعتقل رغيد الططري دليل حي على العلاقة بين الحرية والاستبداد، فابن دمشق الذي ‎ولد وترعرع بها منذ ميلاده في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1954 ‎شاءت السلطة المطلقة من كل قيد قانوني وأخلاقي أن تعتقله تعسفيًا بتهمة غير مبررة وغير دامغة الأدلة ليجد نفسه في ‎غياب معايير الحيادية والاستقلالية مدانة بجرم لا يدري ما هو.

‎خلال خمس دقائق فقط هي كل مدة محاكمته، ودون الاستماع إليه، وتحقيق دفاعه، فلا وقت هنا لسماع شيء غير إرادة الحاكم، لا وجود هنا للدفاع أو محام، كانت جلسة محاكمته اشبه بالمسرحية الهزلية بطلها المرسوم (القانون) رقم 32 لسنة 1980 الذي وسع اختصاصات المحكمة الميدانية العسكرية ومنحها حق محاكمة المدنيين وفي اوقات السلم والحرب. لقد نص التعديل في القانون من حق المحكمة العسكرية صلاحية «النظر في الجرائم التي تقع أثناء حدوث الاضطرابات الداخلية»، وبتشكيل معيب يفتقد للمعايير الدولية القضائية لتشكيل المحاكم، فهي محكمة مشكلة من قاضي فرد والشرط الوحيد المطلوب لشغل هذه الوظيفة أن يكون ضابطًا برتبة رائد، ولا شيء هنا له علاقة بالحياد، فأي ضابط هو تابع للسلطة التنفيذية وظيفيًا وتنظيمًا.

ينص العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية في المادة 14 الفقرة الأولى من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية على أنه «الناس جميعًا سواء أمام القضاء ومن حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون».

أسدل الستار على مسرحية حكم بالسجن المؤبد على رغيد بتهمة: «التنسيق لهروب طائرة إلى الأردن» في 1 أغسطس (آب) 1985، ولم يحدد قرار الاتهام أدلة ثبوت هذه التهمة ولا الكيفية التي تمت بها للتنسيق للهروب بالطائرة، وبعد مضي 25 عامًا في المعتقل، أخبروه بأنه تم تغيير التهمة إلى «إفشاء معلومات لدولة أجنبية»، ولعل في هذا دليلًا دامغًا على صورية هذه المحكمة وزيف المحاكمة التي طال أذاها ذوي رغيد وأهله.

لم تندب المحكمة محاميا لرغيد للدفاع عنه، وكان من الاستحالة بمكان الاستعانة بالمحامين وبذلك ضرب عرض الحائط بـ(المادة 11 فقرة 1) من العهد الدولي للحقوق المدنية السياسية والتي تنص على أن «كل متهم بجريمة يعتبر بريئًا الي أن تثبت أدانته قانونًا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه».

هذه المحكمة سلبت جميع ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (فقرة 3)، والتي تنص على أنه «لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته وعلى قدم المساواة التامة بالضمانات الدنيا التالية:

1- أن يتم إعلامه سريعًا وبالتفاصيل، وفي لغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة إليها وأسبابها.

2- أن يعطي من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه.

د- أن يحاكم حضوريًا، وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره، وأن يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه، وأن تزوده المحكمة، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله أجرًا على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر.

ه- أن يناقش شهود الاتهام بنفسه بشخصه أو من قبل غيره وأن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام.

من أسوأ الأحوال التي تمر بها جميع الأسر والعائلات والمحاكمة على درجة واحدة والحرمان من حق الطعن في حكم الإدانة.

لا شيء أسوأ وأقسى من أن تحاكم في محكمة درجة واحدة لا يحق لك فيها الاستئناف واللجوء إلى محاكمة أعلى، أو حرمانك من حق الطعن في حكم الإدانة الأولي. والتقاضي أمام المحكمة الميدانية العسكرية يتم على درجة واحدة، فهي محكمة أول وآخر درجة، ولا تتيح حق الاستئناف، لا توجد محكمة تعلوها تراجع أحكامها وتتأكد من تطبيقها السليم للقانون، رغم خطورة وجسامة الأحكام الجنائية التي تصدرها، ومنها حكم السجن المؤبد الصادر بحق رغيد. وبذلك سلب هذا النظام المسمى زورًا محكمة حقه في الطعن الصادر ضده مخالفا بذلك المادة (14 فقرة 5) من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والتي تنص على أنه «لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء وفقًا للقانون إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حكم به عليه».

‎الضغوط النفسية التي تعانيها الأسر عند اقتياد أحد أفرادها من السلطات إلى وجهة غير معلومة وعدم السماح بالزيارة أو حتى التفكير بالسؤال عنه يُعد جريمة بحد ذاتها، وهذا السلوك هو ما دأبت عليه معظم الأنظمة الاستبدادية التي تمارس أبشع أنواع الإذلال والاحتقار ضد الإنسان وأدميته بشتى الوسائل والطرق ضاربة بذلك كل القيم الإنسانية عرض الحائط.

طيلة مدة اعتقاله لم تبلغ عائلته وأهله بمكان اعتقاله ولم يسمح لهم بزيارته أو التواصل معه بأي شكل من الأشكال فالسلطات السورية قامت بإخفائه قسرًا وإن كان بآلية المحكمة الصورية التي عقدتها المحكمة الميدانية العسكرية بتاريخ 1 أغسطس 1985، وبذلك حرمته طيلة فترة اعتقاله من الحق في الحماية القانونية، وذلك بالمخالفة للمادة الأولى من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والتي تنص في مادته الأولى على «يعتبر كل عمل من أعمال الاختفاء القسري جريمة ضد الكرامة الإنسانية ويدان بوصفه إنكارًا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكًا خطيرًا وصارخًا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأعادت تأكيدها وطورتها الصكوك الدولية الصادرة في هذا الشأن».

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية من الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت قد وقعتها سوريا. ومواد هذا العهد لا تتعارض مع مواد الدستور، والجدير بالذكر أنه في حال تعارض أي قانون محلي مع أحكام معاهدة دولية تكون سوريا طرفًا فيها فإن الغلبة تكون للمعاهدة الدولية.

وإذا ما سلب من الإنسان حقه في حماية القانون لم يعد لجسده حرمة ولا لكيانه المعنوي منعة، ولم يعد تعريضه للتعذيب الجسدي والنفسي جريمة في نظر جلاديه، إنما هي متعة وتشفي وتفريغ لغريزة السيطرة وتنفيس للعقد النفسية لجلاوزة المعتقلات.

رغيد تم تعذيبه أثناء التحقيق قرابة شهر بدء من يوم اعتقاله في 29 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1981 حتى 25 ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام، والإصابات موجودة الي اليوم على جسده. تم استخدم الكهرباء – الضرب على كافة أنحاء الجسم الصعق بالكهرباء علي كامل الجسم التعليق بربط اليدين والقدمين من الخلف وإدخال خلالهم قضيب معدني والتعليق بالهواء (الفروج) ومن تم التعذيب في سجن تدمر بدون سبب بشكل يومي لسنوات منذ 21 مايو (أيار) 1985 حتى العام 2000.

وقد ترتب عن التعذيب وسوء أماكن احتجازه تدهور حالته الصحية فهو يعاني من تدرن رئوي (سل) وتمزق بالحجاب الحاجز وقد ينتهي الآخر بموته، هذا وقد نصت المادة الثانية من اتفاقية مناهضة التعذيب على أنه:

1- تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.

2- لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدًا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الاخرى كمبرر للتعذيب.

3- لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.

نعيد التذكير بأن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب من الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت قد انضمت إليها سوريا. وموادهن لا تتعارض مع مواد الدستور، والجدير بالذكر أنه في حال تعارض أي قانون محلي مع أحكام معاهدة دولية تكون سورية طرفًا فيها فإن الغلبة تكون للمعاهدة الدولية. وقد قضى قرار محكمة التمييز رقم 23 لعام 1931 بأنه «ليس لقانون داخلي أن يضع قواعد مخالفة لأحكام معاهدة دولية سابقة له أو أن يغير ولو بصورة غير مباشرة في أحكام نفادها». عزز هذا الفهم في قرار آخر للغرفة المدنية في محكمة النقض الصادر برقم 366/1901، تاريخ 21 ديسمبر 1980 منشـور في مجلـة «المحامون» ص 305 لعام 1981، والذي يبين أن المحاكم الوطنية لا تطبق المعاهدات تأسيسًا على أن الدولة قد التزمت دوليًا بتطبيقها، وإنما باعتبارها أصبحت جزءًا من قوانين الدولة الداخلية.

وإذا وجد تعارض بين أحكام المعاهدة وأحكام قانون داخلي، فإن على المحكمة الوطنية أن تطبق أحكام المعاهدة الدولية مـرجحة حكمهـا على القانون الداخلي، فالمحاكم الاستثنائية لم ينص الدستور على إنشائها، كما لا تتوافر فيها الضمانات التي توفرها القوانين العادية وقوانين السلطة القضائية والتي يكفلها الدستور. وإن استمرار العمل بها يتعارض كليًا مع أحكام الدستور السوري نفسه، ولا سيما المادة 51 منه التي نصت:

1- العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون.

2- كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم في محاكمة عادلة.

3- حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والمراجعة والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون، وتكفل الدولة المساعدة القضائية لغير القادرين وفقًا للقانون.

4- يُحظّرُ النصُ في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

إن تلك الممارسات بحق المعتقل رغيد طيلة 38 عامًا قضاها في السجن حتى الآن من جور وظلم تندى له جبين الإنسانية. خلال فترة سجنه توفيت زوجته وتشرد ابنه الوحيد مع زوجته خارج البلاد وعانت عائلته وأسرته كافة الضغوطات النفسية المتنوعة وامام تمادي النظام السوري في استبداده في ملف المعتقلين تعسفيًا والمخفيين قسريًا، فإننا نهيب بأحرار العالم المستقلين أو المنضوين تحت جمعيات ومؤسسات غير حكومية ونناشد المنظمات الدولية أن يقفوا مع رغيد لكي لا يكمل عامه التاسع والثلاثين في محبسه، فالحرية لرغيد اليوم مطلبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة