الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..

دعوة للحوار منزوعة منها كل المقومات التي تحتاجها.

هذه هي الدعوة التي وجهها الرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير في خطابه الذي ألقاه مساء الجمعة الماضي في القصر الجمهوري، ومن خَبر التاريخ السياسي وسوابق النظام السوداني الحالي في دعواته للحوار لن يكون بحاجة إلى كثير تمحيص ليعلم أن النظام لم ولن يكون في يوم ما جادًا صادقًا في دعوته لأي حوار مع أي طرف معارض.

أهم ما جاء في خطاب البشير، وهو سبب الخطاب هو إعلان حالة الطوارئ لمدة عام كامل، وحل الحكومة المركزية والحكومات الولائية، كما أكد أنه باق في منصبه كرئيس للدولة، وخاطب البرلمان طالبًا منه تأجيل النظر في التعديلات الدستورية التي بموجبها سيحق له الترشح لفترات رئاسية أخرى، حيث إن الدستور بشكله الحالي لا يجيز له الترشح في انتخابات 2020 بعد عام من الآن.

من المتوقع لخطاب البشير والأحداث التي صاحبته أن يكون نقطة تحول رئيسة في الأحداث، ونستثني هنا قرار حل الحكومة المركزية برئاسة معتز موسى فهذا أمر كنا جميعًا ننتظره، وكذلك قرار الحكومات الولائية.

أعلن البشير حالة الطوارئ وهي بحسب القانون يجوز له إعلانها في حالة حدوث مخاطر مثل الغزو، أو الحصار الأجنبي، والحرب، والاقتتال، والتمرد غير المشروع، والإجرام، والشغب، والعصيان، وتعطل العمل، والمرافق، والأوبئة، والخطر الحال، أو الجسيم الذي يهدد الوحدة الوطنية، أو سلامة الوطن، أو الأزمات التي تهدد اقتصاد البلاد، أو أية حالة أخرى تشكل تهديدًا في نظر رئيس الدولة.

وهذه الحالات في معظمها ذات صيغة عمومية، ولهذا فهي بنظر الكثير تعد أخطر الأدوات التي تستخدمها الأنظمة المستبدة لقمع معارضيها، وقد تكون لدينا فكرة واضحة عن خطورة قانون كهذا عندما تستخدمه مثل هذه الأنظمة إذا علمنا أن حالة الطوارئ تجيز للسلطة الكثير من المحظورات مثل دخول المباني وتفتيشها، ومصادرة الممتلكات من ارض وعقار وسلع أخرى مع وجود تعويض، وحجز الأموال والأصول لمجرد الاشتباه بوجود مخالفة، وحظر وتنظيم الحركة وتنظيم عمليات الإنتاج والنقل، وتكليف الأشخاص بخدمات تقتضيها حاجة الطوارئ واعتقالات، بالإضافة لأية صلاحيات أخرى يراها الرئيس.

والمشكلة تكون في الغالب في هذه الجزئية الأخيرة، كما أن من خَبِر نقل القرارات في السودان إلى موضع التنفيذ يعلم أن الجهات التنفيذية إما أنها تحرّف مضمون القرار، أو أنها تضيف وتحذف منه بحسب ما يناسبها، صحيح أن ميليشيات النظام كانت عمليًا تمارس مهامها في إطار حالة تشبه حالة الطوارئ التي تم الإعلان عنها، فهي تطارد المتظاهرين داخل الأحياء، وتقتحم البيوت، وتنتهك الحرمات، وأماكن العمل، وتعتقل بدون أي مسوغ قانوني، ولا تكاد توجد محاكمات، ولكن يظل عمل هؤلاء وفق أوامر سرية يختلف عن العمل وفق قانون معلن، وهو ما سيجعل فرد الأمن والميليشيات أكثر جرأة في ممارساته القمعية وكل ذلك تحت مظلة قانون الطوارئ.

النظام بهذا يتحدى بشكل سافر قوى إعلان الحرية والتغيير التي يتقدمها تجمع المهنيين السودانيين، والذي لم يتأخر رده، وأعلن رفضه الكامل لكل التغييرات التي أعلن عنها النظام، ودعا على صفحته الشعب للخروج إلى الشوارع للتظاهر، وكان الشعب عند الموعد فخرجت تظاهرات في عشرات المناطق في العاصمة الخرطوم ومدن ومناطق أخرى في سائر الولايات إستمرت إلى ما بعد منتصف الليل، كما غيرت قوى الحرية والتغيير أجندة أنشطتها للأسبوع الحالي، وجعلت الأيام الثلاثة الأول أيام تظاهرات ومواكب تنادي بسقوط النظام.

لا يخفى على أحد حقيقة أن هذه الخطوة ستكون بمثابة الشرارة التي ستشعل المظاهرات في السودان، وستزيد من وتيرتها، ولكن ماذا عن النظام نفسه؟

وفقًا للـ(BBC) فإن السلطات الأمريكية من خلال مبعوثها الذي زار السودان مؤخرًا عرضت على البشير التنحي عن منصبه كرئيس للجمهورية مقابل تعليق مذكرة أو قرار المحكمة الجنائية ضده، وكذلك رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولو تحدثنا عن صفقة، أو عرض أمريكي، فلا بد أن يحضر رجل أمريكا السوداني صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات، وهو الرجل الذي تضمنه أمريكا لخدمة مصالحها في المنطقة بعد تنحي البشير، والعرض فيما يبدو لم يكن الأول من نوعه فهناك معلومات غير مؤكدة عن عرض قطري للبشير بالتنحي، بل قيل إنه كان هناك عرض قديم قدمته السعودية للبشير للتنحي كان قبل انفصال الجنوب، وبُعيد قرار المحكمة الجنائية في حقه.

والذي كان متوقعًا بموجب هذا العرض، وما كان في نية البشير الإقدام عليه هو إيقاف إجراء التعديل الدستوري، والتنحي الفوري عن الرئاسة، أو إتمام الفترة الرئاسية الحالية والاستقالة من رئاسة حزب المؤتمر الوطني على أن يعيّن صلاح قوش رئيسًا للوزراء لاحقًا، بحسب ما صرّح به الصحافي مزمل أبو القاسم فإن البشير وجه بالإعلان عن هذه القرارات قبل موعد الخطاب الأمر الذي فعله صلاح قوش، ولكن ما بين إعلان قوش وموعد الخطاب كان للمكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني رأي آخر؛ إذ استطاع في اجتماعه ـ الذي بسببه تأخر البشير عن موعد خطابه بما يقارب الساعة ـ وضع بصمته في التغيرات التي أعلن عنها في الخطاب، والتي جاءت بعده، فالبشير اكتفى بإعلان حالة الطوارئ، وحل الحكومة المركزية والحكومات الولائية، ولكنه لم يتنح عن الرئاسة، ولم يذكر أي شيء عن ترشحه لانتخابات 2020، وتحول موقفه بخصوص التعديلات الدستورية من طلب إيقافها إلى تأجيل النظر بها، لاحقًا تم الإعلان عن تعيين عوض ابن عوف نائبًا أول لرئيس الجمهورية خلفًا لبكري حسن صالح مع الاحتفاظ بمنصبه كوزير للدفاع، فهو الذي يثق به أكثر بعد أن أكد أكثر من مرة دعمه المباشر للبشير بخلاف بكري حسن صالح الذي كان صامتًا طوال هذه المدة؛ الأمر الذي يُعد في الأوساط العسكرية بمثابة تمرد على النظام، كما اختار ولاة جددًا كلهم من السلك العسكري، ولكن وبخلاف ما كان متوقعًا وقع اختياره على أحد رجاله المفضلين في الحزب، وهو محمد طاهر إيلا ليكون هو رئيس الوزراء.

هذه هي التطورات، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، وما زلنا نتابع ونترقب ما ستسفر عنه الأحداث مستقبلًا، صلاح قوش على ما يبدو كان يأمل من خلال ترتيباته الأولى مع البشير في حدوث الطلاق النهائي من حزب المؤتمر الوطني بعد علاقة ثنائية بين العسكر والحزب دامت لثلاثة عقود وهو الأمر الذي تميل إليه واشنطن، ولكن المؤتمر الوطني ما زال لديه ما يقاوم به وقوع ذلك الطلاق الذي إذا وقع فسيكون بمثابة نهاية الحياة السياسية للحزب، وفيما يبدو فالرابط الوحيد بين الحزب والعسكر هو الرئيس عمر البشير نفسه الذي وفق تسريبات حاول القيام بترتيبات مشابهة قبل سنوات، ولكنه عدل عنها، وقدّم ما عُرف في الإعلام بخطاب الوثبة.

المشهد معقد للغاية وفك تعقيداته أمر يستحيل على الكل، القوى الإقليمية تتابع وتترقب ما ستؤول إليه الأمور، أما البشير نفسه فأراه في حالة لا يحسد عليها؛ إذ هو بين حزب لا يستطيع الفكاك منه، وبين رجل له طموح قديم ومتجدد في السلطة، وبتأييد من أمريكا، وبين جيش قد يضمن ولاء قادته، ولكن ليس كل من فيه، وبين حراك شعبي منظم صمد لشهور أمام آلته القمعية ومرشح للتصاعد أكثر وأكثر بعد إعلان حالة الطوارئ التي استفزت المعارضة والجمهور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد