لا شك أن أحداث شارلي إيبدو مثلت نقطة فارقة لن تكون علاقة فرنسا بعدها بالعالم العربي والإسلامي كما كانت من قبل.
و بعيدا عن اتخاذ موقف حاسم وتبني رواية السلطات الفرنسية أو رواية مناوئيها ممن يعتبرون الحادثة 11 سبتمبر جديدا تتوسله فرنسا، المنهكة اقتصاديا، للخروج من حالة العجز الذي تتخبط فيه، سواء من جهة المالية la loi macron))؛ فيما يعرف بقانون ماكرون لوزير المالية الحالي الذي يهدف إلى إعادة الحياة إلى الاقتصاد الفرنسي، أو من جهة الجدل الدائر حول الاختلال الجهوي الذي يحاول مجلس الشيوخ (عبر إعادة تقسيم الأقاليم) معالجته.

بعيدا عن هذا وذاك سنحاول تقديم قراءة سريعة في احصائيات رسمية صادرة نهاية 01 /2015، قامت بها مؤسسة سبر آراء فرنسية ipsos sopra- steria بالاشتراك مع وسائل إعلام ذائعة الصيت في فرنسا وأجاب فيها الفرنسيون عن مشاغل متعلقة بحادثة شارلي إيبدو و تداعياتها.

شملت العينة التمثيلية المستجوبة أكثر من ألف مواطن فرنسي تم استجوابهم بعد العملية بأكثر من أسبوع وهو ما يعطي لأجوبتهم حدا أدني من المعقولية، جاءت في النتائج التالية:

1- يعتبر أكثر من نصف الفرنسيين (53 %) أن بلدهم في حالة حرب ويرى 84% أن حرب فرنسا ضد الإرهاب الجهادي بالتحديد.

2- يعتقد 51 % أن الإسلام لا ينسجم مع مبادئ وقيم الجمهورية، تليه الديانة اليهودية ب 19%.
3- يعتقد 33 % أن الإسلام دين يحمل في جذوره العنف والتطرف.

 

هذه الأرقام الواردة في الأسئلة الثلاثة الأولى من الاستبيان تمكننا من استنتاج التالي:

– غياب تساؤل حقيقي حول الإرهاب والإرهابيين من جهة مصادره والجهات التي تقف وراءه، والأسباب العميقة الكامنة خلفه، رغم ما أشار إليه “مانوال فالز” بعد الحادثة بيوم من تأثير التميز العنصري الذي تعانيه بعض الفئات والمناطق في فرنسا على سلوك أفرادها خاصة الشباب منهم.

– رغم أن عدد المسلمين في فرنسا فاق الخمسة ملايين، في حين أن تعداد اليهود لا يتجاوز 500 ألف وفق آخر الإحصائيات المعتمدة، إلا أن حالة التعاطف التي بدت مع الضحية الفرنسي التونسي الجنسية واليهودي الديانة، وزيارة رئيس الجالية اليهودية في نفس وقت رئيس وزراء الاحتلال والمكلف باستجلاب يهود العالم إلى الأراضي المحتلة، كل ذلك مجتمعا مع قرب فرنسا تاريخيا للكيان الصهيوني يؤكد الرقم الوارد في السؤال الثاني أعلاه.

و يدفع للتساؤل: ما هي علاقة الحادثة بدعوة يهود فرنسا للالتحاق بدولة الاحتلال؟

 

– في معرض الرد على الخلاصة الثالثة شهدت فرنسا حالة من التخبط لكنها وجدت توازنها أخيرا في الإجابة على السؤال الموالي وهو الاستنتاج الرابع الوارد في الإستبيان.

 

4- في معرض الإجابة على السؤال التالي: بعد هذه التفجيرات، هل تعتقد أن فرنسا مطالبة بتعزيز تواجدها العسكري في بؤر الإرهاب أم ترى أنها مطالبة بإبقائها على ما هي عليه أم يتوجب تخفيضها؟

 

رسم
كانت الإجابات كالآتي:

ملاحظة: يُقصد بالبؤر الجهادية (الساحل الأفريقي ومالي و شمال النيجر و تشاد)
كل المعطيات السابقة والتحليل المنطقي لها يعطي لفرنسا، حسب البعض، الحق في ممارسة دور “شرطي إفريقيا و “حامي الحريات”.

 

و قد بدأت بذلك فعلا في بوركينا فاسو (بلاز كواسي)، كما أنها شرعت منذ مدة في ترميم قواعدها في شمال النيجر “قاعدة مادما” التي قضى وزير الدفاع الفرنسي بينها وبين تشاد عطلة رأس السنة في رسالة واضحة دعمتها مواقفه و تصريحاته.
في أكثر شعوب العالم رفاهية، ثمة ينابيع للخوف تسري في مفاصل المجتمع وتترعرع في لا وعيه وتتحول في أوقات بعينها إلى «هيستيريا جماعية».

إنه شعور غريزي جبل عليه الإنسان، لكن مع تطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة، لم يبق الأمر كذلك وتحول الخوف من شعور لا واع يساور الإنسان في لحظات ضعفه وقوته إلى شعور متحكم فيه تصنعه قوى متباينة في المجتمع من بينها الدولة، الراعي الأول للخوف، كما كان يقول المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما.

 

هذا بالضبط ما لمسناه في معرض إجابة الفرنسيين عن الموازنة بين الأمن و الحرية.

 

رسم1

يبقى التساؤل الذي يطرحه المتابع:

إلى أية درجة يمكن للإجراءات الاحترازية والمؤقتة أن تعالج مشكلة الإرهاب؟

و هل أن فرنسا تحصد ما تزرعه في مالي والنيجر وتشاد وجنوب ليبيا؟
كل هذه الأسئلة جديرة بالدراسة والتحليل، لعل الإجابة تكون جرس إنذار للقوى الإقليمية والدولية، تنبههم إلى طرق المعالجة الجذرية من أجل إحلال السلام العام والعادل في العالم كله.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد