العالم بعد الكورونا

طالما كانت الأوبئة الحافز الطبيعي لإعادة تشكيل المجتمعات، الأديان، السياسات، الاقتصاد، وقدرتها على تغيير العادات الاجتماعية وأصغر تفاصيل الحياة.

فكيف ستكون الحياة بعد (كوفيد-19)، مما لا شك فيه أن (covid-19) هو فيروس مستجد، بالرغم من أنه ليس قاتلًا أو مهددً مثل الطاعون الأسود، إلا أن عواقبه ستكون وخيمة على البشرية، خاصة إن علمنا أن بعد كل وباء تكثر الكوارث الطبيعية فضلًا عن جعله المحور الإعلامي لكل القنوات والأعمال، سواء كانت صحافية أو فنية، وبهذا يصبح فيروس كورونا والإعلام العدوين المحتملين عدو لا يرى، عدو لا شك فيه؛ مما يجعل الطاقة البشرية مشتتة، وغير قادرة على التركيز، وهذا ما يضعف التركيز وكفاءة العقل البشري.

وهو العامل الوحيد الذي سيدفعنا إلى الإبقاء على الملتزمين والمهذبين والأصحاء مقابل نبذ الخارجين على القانون وغير الأصحاء.

وبذالك نتخلى عن مصطلح الاختلاف الاجتماعي، وسنشهد مصطلحًا جديدًا أو تمشيًا نحو عسكرة المجتمعات وسلوكيات الأفراد بقيادة فكرة «الانضباط الاجتماعي» نحو «الانضباط الفكري» ربما، وهو ما سيعزز مستقبلًا الرقابة وفرض الرقابة على المجتمعات وابتكار طرق للرقابة والحساب مقابل الحصول على الحياة، وبهذا نكون قد خلصنا إلى بداية التحضير لعصر جديد لجيل الـ«e.giniration» قائم على التكنولوجيا والعيش الافتراضي بكونه أبسط، وقد نغير مفهوم الاقتصاد العالمي إلى النظام التكنولوجي العالمي والاستعانة بالروبوتات في عديد المجالات الصناعية.

لكن هذا قد يدفعنا إلى الحديث عن اختلاط الازمنة في نفس المكان؛ ما يعني بروز ثغرات زمنية في نفس المجتمع بين قمة التحضر والرفض التام لاندماج البشر مع الإلكترونيات والتكنولوجيا وصولًا إلى التعصب والعودة إلى هيمنة الفاشيين والكنيسة على نسبة قليلة من الخائفين؛ مما قد يدفعنا إلى تغيير مفهوم الطبقية.

قد نتخلى أيضًا على كلمة تنوع الثقافات لصالح كلمة وحدة الثقافات وشموليتها، مع قليل من التفاصيل في بعض المناطق، لكن سنجمع على أن حياة البشر بعد (كوفيد) ومعاملاتهم ستصبح إلكترونية، وفق ضوابط اجتماعية عامة، ومزيد من الهوس والحذر في ظل تنامي غريزة البقاء، وقد نلاحظ بروز الأنانية والخوف كطبع غالب بالمجتمع.

من المرجح أن تختفي الأقطاب القوية اقتصاديًا لصالح الدول القوى المسيطرة تكنولوجيا مع ازدهار في مردودات القطاع الخدماتي والمعلوماتيات.

قد نخوض حروبًا نفسية في المستقبل، وهذا يشبه كثيرًا خيال القتل بالإيحاء، مع عيش حروب شوارع متفرقة في أنحاء العالم ضد مجموعة من الرافضين لسلطة الدولة والنظام الجديد.

أيضًا هذا العقد سنشهد اهتزاز أغلب الأنظمة والديمقراطيات والخلاص من الحكام والحكومات والسلطة القيادية والأيديولوجيا وانهيارها لصالح مفرد الإنسان.

ومن ثم فإن العالم بعد كوفيد والانهيار الاقتصادي اللاحق له يعتبر النقطة صفر في حضارة الإنسان العريقة، فاكتشاف النفط وما حققه الإنسان طيلة العقد والنصف سيتغير إجمالًا إلى السالب والموجب في نفس الوقت، على الأرجح سيكون الإنسان حرًا بعد هذا الفيروس، لكن لن يعيش سالمًا أو في نظام عادل في هذا الزمن، وقد يفقد ما تبقى له من نرجسيته وسيادته، ويتلقى الصدمة الثانية بعد صدمة إقراره بكونه قردًا فاشلًا، وقريبًا ستعتبر (كوفيد-19) صدمة القرن، إضافة إلى تغير أسياد العالم.

وهذا ما سيجعلنا نتساءل: هل مفهوم الحرية الجديدة هو حرية قائمة على مبدأ العدل، أو الأمان، أو الإرادة الحرة للإنسان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد