يعيش الإنسان حياته وهو يدرك أن مصيره الفناء، مهما ارتفع وحلّق فسوف يحتضن جسده التراب، وما بين الصرخة الأولى والنفس الأخير نقوم بمحاولات عديدة؛ كي نترك أثرًا ولو كان بسيطًا في الحياة.

يأتينا الموت الأول بغتة وينقضّ بوحشية لينتزعنا من بين أحبائنا وأصدقائنا، لكنه أخف من الموت الثاني.

نموت المرة الأولى عندما يخرج النفس الأخير، ونعود إلى سيرتنا الأولى في رحم الأرض، يموت المثال، المادة، الجسد، لكن هذا موتٌ هيّن، سيشيعك الآخرون ويسيرون معك إلى القبر، سيبكون عليك ويتذكرون بعض المواقف التي جمعتهم بك، سيتذكرونك، لكن إلى متى؟

الميتة الثانية هي الفناء الحقيقي، عندما تموت في ذاكرة آخر شخصٍ يعرفك وجمعتك به أي ذكرى، نستمر في الحياة بعد موتنا الأول في أذهان أحبائنا، تعيش الفكرة المجردة التي هي إرادة وجودنا في أذهانهم، لكن مع موت آخر شخص يتذكرنا نموت بالفعل، أو مع موت ذكرانا في أذهانهم.

من هذا الهاجس الأخير يولد الشعراء والأدباء، هذا الهاجس الذي ينخر في جسد الإنسان في مرحلة من الحياة، فيصاب بحمى الخوف من غياب الأثر.

ليس الأدباء والفنانون فقط هم المحمومين بترك أثر، عامة الناس أيضًا لها الهاجس نفسه مع اختلاف شكل هذا الأثر، تجدهم يسعون لتحقيق هذا الأثر بالإنجاب، فالإنجاب هو استمرار الذرية وبقاء الذكر. لكن هذا النوع من الخلود لا يرضي البعض، لا يرضي المبدعين بشكل عام، فالاسم فقط هو الباقي، والاسم لا يشكل أي جزء حقيقي منا بعد الموت، بعيدًا عن إشكالية الاسم فلسفيًّا، فهذا النوع لا يرضي إلا رغبة عامة الناس.

أجد نفسي أحيانًا مشغولاً بهذا الهاجس، هاجس الخلود من جانبه الأدبي، هل يمكن أن يتذكرني الناس من خلال ما سأترك من أدب؟ هل ما سأترك سيجد مكانه في المستقبل وسط حداثة العصور الأخرى التي ستظهر؟

مؤخرًا لاحظت في نفسي شيئًا، رغبة نابعة من اللاوعي، أسعى بين فرشات الكتب، ومكتبات الاستعارة، أبحث عن ديوان لشاعر غير معروف، أقلب فيه وأقرأ منه بعض القصائد، إن أحببته آخذه لأقرأه وأخبر عنه أصدقائي، أو أتحدث عن الشاعر على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الرغبة التي وجدت نفسي مدفوعًا إليها وجدت أنها تنبع من هذا الهاجس، هاجس خلود الأثر، أتخيل أنني بعد عشرات السنين من موتي عندما أصبح في طي النسيان يأتي شخص ما مثلي، يقلب بين الكتب ليجد شيئًا كتبته فيقرأه ويحبه ويعيد إحيائي مرة أخرى. أعتقد أن هذا هو الدافع نفسه الذي يدفعني الآن للبحث عن الشعراء المغمورين بالنسبة لعصرنا، الذي هو عصر تغلبت فيه الرواية وسرقت الضوء من الأنواع الأدبية الأخرى.

يقول غاليانو إننا لا نولد مرة واحدة، بل نولد مع كل مرة نُتَذَكَّرْ فيها، في كل مرة يحكي أحد عننا شيئًا. نحن نولد من الحكايات.

كُتب على الإنسان منذ البدء الشقاء، بعد أن أغوت الحية حواء لتأكل من الشجرة المحرمة، شجرة الحياة والموت، كُتب علينا من يوم أن خبرنا الموت أننا منذورون للعدم، للنسيان، للغياب، «تُنسى كأنك لم تكن» كما قال محمود درويش. كل هذا التفكير في الموت وما بعده لا ينفي الحياة، لكن هاجس الأثر بعد الموت ينخر جسد الإنسان بالرغم منه. ومهما ترك الإنسان من آثار، فمصيرها أيضًا النسيان، حتى وإن تذكرها الناس لمدة مئات السنين لكنها في الأخير محكومة بالنسيان، هذه هي لعنة البشر الأبدية التي يحاول الإنسان محاربتها بمحاولات الخلود. لكن العزاء الحقيقي يكمن في كم الولادات التي سنولدها أثناء حياتنا وما بعد موتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات