قراءة في التدخل الأجنبي في الحراك الشعبي بالجزائر

بعد الالتفاف الكبير للشارع حول الحراك ووحدة صوت الجماهير الجزائرية يمر النظام السياسي الجزائري بمأزق سياسي كبير في دراسة واتخاذ البدائل المناسبة، وهذا في ظل خطوات كبيرة من الشارع الجزائري نحو تولي زمام الأمور للمرة الأولى منذ أزيد من 50 سنة.

والحقيقية أن ما يعيشه الشارع الجزائري الأسابيع الأخيرة خطوة نوعية عملاقة يمكنها أن توفر الجو الملائم للديمقراطية إن اتخذت المسار المناسب في ظل إرادة حقيقية للتحول نحو وضع أكثر انفتاحًا وملائمة لتطلعات الجماهير.

هذه الوتيرة المتسارعة للاحتجاجات خلطت أوراق النظام الحالي في اتخاذ المسار الذي يؤدي به إلى البقاء ويضمن له حرية سياسية بأكبر قدر.

واستجداء الدعم الرخيص من الخارج كان أحد الأساليب غير المدروسة العواقب التي لجأ إليها النظام تحت الضغط الشعبي وهذا بمسارعته لتقديم تنازلات بالجملة للقوى الكبرى مقابل شراء الصمت الدولي ونستنتجها من خلال مؤشرات وأحداث.

ماذا حقق ضغط الحراك الشعبي في أسبوعه الرابع؟

حقق ضغط الشارع في مدة قصيرة ما كان كفيلًا بإحداث قطيعة شبه تامة مع ما ثارت عنه الجماهير بالأساس نظام سياسي إعلام أحزاب ويتلخص ما حققته عملية التحول الديمقراطي في ملامح, الأول هو أن عملية التحول تسير بخطى ثابتة بالنظر لتجارب مماثلة أخذت أمدًا طويلًا المكسيك مثلا وأن ما عاشه المشهد السياسي من تفاعلات في الأسابيع الأخيرة كان الأكثر حدة منذ أكثر من عشرين سنة، ثانيًا أن الحراك الشعبي يسعى لإحداث القطيعة السياسية التامة مع الماضي وهو ما جعله النظام الحالي محل أولوية في سعيه لإحداث تغيير تفاوضي من موقف ضعف لا يسعى للتأثير بقدر ما يسعى للتكيف مع المعطيات الراهنة في ظل رفض شعبي مطلق، بل حتى من أحزاب الموالاة التي تخلت عن النظام وتبنت الحراك في محاولة لركوب الموجة.

ثالثًا أن المطالب الجماهيرية تسعى للالتزام بالخيار الديمقراطي والديمقراطية لأبعد الحدود والرغبة في إرساء دستور جديد وبناء عملية سياسية جديدة لخير دليل على ذلك.

رابعًا أن النخبة التي يحاول الشعب تبنيها لتمثيل الحراك تلعب دورًا فعالًا في الدفع بعملية التحول الديمقراطي كما تمارس ضغطًا كبيرًا على النظام الحالي.

لماذا روسيا؟

يحاول النظام السياسي الجزائري الحالي بلجوئه إلى روسيا تأكيد البعد التاريخي كحليف استراتيجي قديم كما أنه يعد اعترافًا ضمنيًّا من النظام الجزائري للنظام الروسي بكونه دائرة قوة جديدة مؤثرة في الساحة الدولية، هذه الخطوة لم تلق ترحيبًا من الشارع الجزائري الذي تفاعل معها بسخط بوصفه التدخل غير المبرر في الشأن الداخلي الجزائري، كما أن تصريح لافروف وزير الخارجية الروسي بكون النظام الجزائري هو راعي الاستقرار حاليًا هو حماية مرتبطة بأسباب نوجزها في الآتي:

مكافحة الإرهاب لطالما أكدت روسيا على أن الجزائر شريك فعال في مكافحة الإرهاب بأفريقيا، كما أنها أكدت على ضرورة إرساء آفاق تعاون جديدة في المجال التعاون العسكري والتقني لضمان الاستقرار الإقليمي بالمنطقة.

التعاون الاقتصادي ويتضح هذا في حجم المبادلات الكبير أبرزها في مجال التسلح والطاقة برقم أكبر من 4 مليار دولار وهو ما أكدته اللجنة الاقتصادية المختلطة الجزائرية الروسية.

المجال الجيواستراتيجي وهو ما أكدته النوايا الروسية بتجهيزها وتكوينها الجيش الجزائري وكذا تطوير قدراته العسكرية ومساعدته في بناء منظومة الدفاع الجوية بعدد من المطارات العسكرية بالبلاد والوفود العسكرية بين البلدين مما أدى بالنظام الروسي بتقديم طلب إقامة قاعدة عسكرية روسية أقصى غرب الجزائر على امتداد 50 كيلومتر بالمرسى الكبير سنة 2015 وقوبل هذا الطلب بالرفض حينها لكنه يبقى محل بحث في الظروف الأخيرة.

لماذا الصين؟

الصين لها مكانة كبيرة لدى النظام الحالي بما تحظى به من امتيازات غير مبررة على اختلافها النسبي من حيث نوع العلاقة والمطالب عن الشريك الروسي مع الجزائر، ولنفهم هذا لا بد من التطرق لكون الصين الشريك التجاري الأول للجزائر بحجم مبادلات تجارية بلغ 8 مليار دولار أوائل سنة 2016 حتى في ظل سياسة التقشف ونظام حصص الاستيراد الذي اعتمدته الجزائر لترشيد النفقات العمومية في ظل تراجع للشريك التجاري التقليدي للجزائر فرنسا التي تراجع حجم مبادلاتها التجارية 5 مليار دولار في نفس الوقت.

مما جعل الصين بالإضافة لهذه الامتيازات تبحث عن زيادة فرصها في صفقات جديدة مجال التنقيب عن المحروقات بالصحراء الجزائرية وكذلك اكتساب موانئ جديدة في البحر الأبيض المتوسط بعد إغلاق الملاحة البحرية في الموانئ السورية التي كانت الصين تستغلها قبل ذلك.

نتائج التدخل الأجنبي في الحراك الشعبي بالجزائر

من خلال هذه الخطوات التفاوضية التي يسعى بها النظام الجزائري الحالي لكسب حرية سياسية أكبر مستقبلًا إلا أن لها نتائج وخيمة على الجزائر والمنطقة ككل نحاول استقرائها عبر الملامح الآتية.

إقامة قاعدة عسكرية روسية غرب الجزائر هو تهديد لدول غرب أوروبا خاصة وللاتحاد الأوروبي عامة مما سيجر المنطقة لحالة عدم استقرار تتكرس في ظل مخاوف من العلاقة مع شمال المتوسط.

الاستياء الأوروبي من فقدان مكانته الاقتصادية للصين سيجعل الجزائر تتعرض لضغط هي في غنى عنه وهو ما عبر عنه البرلمان الأوروبي عبر اللجنة الاقتصادية أكثر من مرة عن عدم احترام الجزائر لاتفاقياتها في مجال حرية التبادل وكذا الامتيازات غير المبررة التي تحظى بها الصين حسبهم .

اللجوء للتدخل الأجنبي يعد انتهاكًا صارخًا للسيادة مما سيؤدي إلى أطماع من الفواعل الدولية وغير الدولية لتغيير ورسم خارطة انتشار القوى من جديد.

ختامًا

إن تدويل الحراك الشعبي بالجزائر من قبل النظام الحال هو تشتيت للتحول الديمقراطي بما تحمله الكلمة من معنى، نظرًا لوضعه عراقيل جمة بقصد إقصاء التطلعات الشعبية التي تسعى لتكريس الديمقراطية الحرية السيادة والكرامة، كما أنه يعد تبريرًا للمأزق الذي وقع فيه النظام الحالي، مما يكرس صورته بوصفه نظامًا فاشلًا ومتهالكًا يخضع للتبعية ويفتقد للقوة السياسية والشرعية, كما أن هذه الخطوات المتسرعة وغير المدروسة ستؤدي بالجزائر إلى نتائج عكسية وسلبية في نفس الوقت في ظل أطماع القوى الكبرى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد