أحدثت حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 ضجة واسعة شغلت الرأي العام العالمي لأكثر من 20 يوم على التوالي. حيث أصبحت القضية الأبرز في حديث الصحافة والإعلام العالمي، وتفاعل ربما غير مسبوق على الصعيد الدبلوماسي والسياسي على أعلى المستويات مع الحادثة بشكل شبه يومي. وقد برزت الكثير من المواقف الدولية الأمريكية والأوروبية على الصعيد الرسمي وأعربت عن مواقف مختلفة طالبت فيها الرياض بالكشف عن ملابسات الواقعة وتوضيح ما حصل للصحفي خاشقجي للرأي العام العالمي.

 وكانت هذه الضغوط الخارجية والحملة الإعلامية، غير المسبوقة ربما، في تركيز الضوء على القضية التي استمرت الأكثر حضورًا في الساحة الإعلامية والسياسية، خصوصًا في ظل التكتم الشديد الذي أحاط الحادثة، وسط إنكار المملكة العربية السعودية معرفتها بما حصل لخاشقجي وأنه غادر قنصليتها بعد دقائق من دخوله لعمل بعض المراجعات الرسمية. قد تسببت في تصاعد احتقان الرأي العام العالمي في السعي للحصول على إجابات مقنعة تكشف حقيقة ما حصل لخاشقجي، وسط تسريبات صحفية تكشف روايات مختلفة عن قتل خاشقجي بطريقة وحشية. ما اضطر السعوديون إلى الاعتراف التدريجي لتخفيف تبعات الكشف التركي عن تفاصيل ما حدث تجنبًا لانزلاق القضية إلى جوانب سياسية أخرى يصعب معها احتواء الموقف وتضعها في مواجهة مباشرة مع أزمات سياسية مع الموقف الدولي وخصوصًا حلفائها من الأوروبيين والأمريكان. إلى جانب الموقف التركي الذي يعتبر القضية جريمة سياسية حدثت على أرضه مما يعتبره الأتراك يمثل إخلالًا بالقوانين الدولية المتعلقة بالحصانة الدبلوماسية وحق تركيا في حفظ أمنها وقوانينها.

جمال خاشقجي (رحمه الله) استطاع ان يصل إلى نطاق عالمي ويحقق مكانة صحفية مرموقة من خلال كتاباته في صحيفة الواشنطن بوست، بعد أن غادر المملكة بحجة أنه لم يعد يأمن على نفسه من العودة وأن السعودية لم تعد كما عرفها حسب ما قاله خاشقجي. حيث أنه كان صحفيًا مقربًا من دوائر الحكم سابقًا، قبل مجيء ابن سلمان إلى واجهة الحكم، الذي أعلن عن رؤية جديدة لقيادة المملكة خارجًا بها عن جلباب الوهابية وساعيًا للقضاء على مشروع الصحوة التي قال أن السعودية لم تكن هكذا من قبل. وقدم بن سلمان نفسه كرمز للتحديث والإصلاح في منظومة الحكم في المملكة وقيادتها نحو الحداثة واللحاق بركب العالم المتقدم. وقد كانت ملامح التحول الذي سعى له محمد بن سلمان سريعة وصادمة وجريئة في ذات الوقت، واستطاع أن يلفت انتباه الغرب على أنه سيقوم بقيادة دولة سعودية حديثة يخلصها من شوائب الماضي، وهذا ما يضمن انفتاحها على العالم الخارجي وإطلاق المزيد من الحريات واحترام حقوق الإنسان وافشاء روح التسامح الديني ومحاربة التطرف والفساد. إلا أن هذه الصورة المثالية لم تدم طويلًا، بل أنتجت العكس من ذلك، حيث اتجه محمد بن سلمان إلى اعتقالات الناشطين والناشطات والدعاة والمثقفين والشخصيات الدعوية البارزة والمؤثرة في السعودية وفي الوسط الشبابي العربي.

 بالرغم من أن أبرز ملامح الحداثة تتجلى من خلال احترام حرية التعبير وإطلاق مزيد من الحريات والحقوق السياسية كجزء أصيل من منظومة التحديث التي يدعيها. وهذا ما ولد حالة من خيبة الأمل لدى قطاع واسع من المجتمع السعودي والمراقبين للتحول الجاري في السعودية، من جدوى أي مشروع إصلاحي يقوده الأمير الشاب محمد بن سلمان. وهذا ما انعكس سلبًا على صورة محمد بن سلمان كقائد مشروع التحديث في المملكة.

وكان خاشقجي نشطًا وفاعلًا في الكتابة عن حقيقة التحولات الجارية في المملكة وعن ممارسات محمد بن سلمان والإشكالات التي تعاني منها السياسية السعودية الجديدة. ومن المعروف عن خاشقجي اعتداله في النقد وموضوعيته في التناول، فإن آراءه كانت تجد صدى واسعًا على المستوى العربي والغربي، برز بوضوح بعد مقتله، وبالتالي فإن جمال خاشقجي بالنسبة للسعودية يعتبر أكثر من صحفي، من ناحية قربه من دوائر الحكم ومن الممكن أن لديه ملفات ومعلومات مهمة. إلى جانب الدور الذي كان يلعبه كمثقف عربي بارز وكصحفي دولي يكتب في واحدة من أبرز الصحف العالمية هي الواشنطن بوست ويشارك في محافل دولية واسعة للحديث عن الأوضاع السياسية في المنطقة وحضوره الكثيف في الإعلام، وهذا لا شك كان مقلقًا للسلطات السعودية.

وعلى أية حال، يبرز هنا تساؤل مهم وهو كيف تنظر السعودية إلى سياساتها بعد الأزمة التي وقعت بها نتيجة جريمة تصفية خاشقجي؟ من الواضح جدًا أن السعوديين ربما لم يكونوا يدركون حجم الأثر الذي سيترتب على اغتيال خاشقجي، خصوصًا في عملية اغتيال كهذه تبدو في غاية السذاجة، حيث وقفت الحكومة السعودية عاجزة عن تبريرها بطريقة تتسم بالمنطقية والتماسك على الأقل. ولنقل إنها عملية استخباراتية فاشلة ومن أغبى عمليات الاغتيال ربما في التاريخ.

وهذا ما سبب الكثير من الضغط على السعودية وهز مصداقيتها أمام العالم. وتقديمها نفسها، من خلال هذه العملية، على أنها دولة رعب تمارس أعمال العصابات في الاغتيالات والقتل للصحفيين والمعارضين لها دون مراعاة لأي اعتبارات. بينما هي تمثل قلعة الإسلام الأولى ورمزًا للسلام وتدعي محاربة الإرهاب والتطرف، إلا أن ما تقوم به لا يختلف عن ممارسات الجماعات الإرهابية التي تتلذذ بدماء وأشلاء ضحاياها. ولهذا يمكن القول أن الحادثة مثلت صدمة للمسؤولين السعوديين، حيث أبرزت كمية من التحريض التي واجهتها والحملات الإعلامية التي تضامنت مع الصحفي خاشقجي بل وصعدت من تغطياتها بشكل مركز ومكثف، وهذا يتم تفسيره من خلال رد السعودية ببيان يدين ما أسمته محاولات النيل منها، سواء من ردود الأفعال الرسمية أو من التغطيات الصحفية والإعلامية، الذي كان واضحًا سخطه الشديد من السياسيات السعودية.

وبالتالي فإن السعودية وجدت نفسها تواجه تضامنًا دوليًا صحفيًا وسياسيًا إلى حد كبير يضعها في مأزق حقيقي، ويطالبها بالكشف عن ملابسات خاشقجي ويتهمها بتصفيته بطريقة وحشية بناء على التسريبات التي كانت تنتشر في الإعلام بصورة مستمرة. وربما يفسر هذا السخط أنه نتيجة للممارسات السعودية في المنطقة، التي تشمل سياسات محمد بن سلمان ضد المعارضين والناشطين السعوديين نتيجة عملية التحول المشوهة التي رافقت رؤية ابن سلمان. كذلك إطالة ملف الحرب في اليمن والأوضاع التي آلت إليها الظروف المأساوية. إلى جانب ملف حصار قطر، وتوتر العلاقات مع تركيا بين الحين والآخر، حيث برز بوضوح تجليات السياسة السعودية الجديدة في فتح ملفات كثيرة في نفس الوقت وصناعة عداوات داخلية وخارجية.

كل هذا الاحتقان الذي تولد من جراء الممارسات المختلفة في الفترة السابقة، وجد هذه الفرصة المناسبة للانفجار ربما، وبالتالي أظهر مقدار سخطه من ممارسة تلك السياسات التي تسببت في إلحاق أضرار داخلية وخارجية بشكل كبير. وهنا من الأولى أن تستفيد السعودية من هذه النتائج التي حصلت عليها في أزمتها الحالية، وتسعى إلى دراسة سياساتها الاستراتيجية بصورة أخرى أكثر دقة، فالوضع الدولي إجمالًا لا يسمح بالكثير من المغامرات التي ستجعلهم عرضة للابتزاز الخارجي في أمنهم ومستقبلهم بين الحين والآخر.

إن دراسة الجغرافيا السياسية باستمرار هي أحد أهم مقومات سياسة الدولة الناجحة، والدولة التي لا تستفيد من معاركها وأزماتها قد تتعثر في لحظة عصيبة ما. وبالتالي فإن المعطيات التي حصلت عليها السعودية، والتي بوضوحٍ شديد كشفت لها نقاطًا كثيرة، تجعلها بحاجة شديدة إلى ان تعود إلى ذاتها وتفكر بطرق مختلفة، تحفظ لها مكانتها ووزنها السياسي والاقتصادي في المنطقة وفي الخارطة الدولية. حيث أن حليفها الاستراتيجي الأمريكي ينظر إليها كأنها عبارة عن محمية أمريكية عليها أن تدفع المليارات مقابل حمايتها، وبالتالي يسعون لابتزازها بطريقة سمجة تخرج عن كل الأعراف الدبلوماسية والسياسة. خصوصًا في الوقت الذي وجدوها بحاجة لمساعدتهم، لتجاوز تحدياتها المختلفة. وسط منطقة تعصف بها الأزمات السياسية وتغرق في صراعات عميقة تشكل تهديد حقيقي على أمن المنطقة ككل والسعودية بشكل خاص وأبرزها التهديد الإيراني لها.

ولذلك فإن محاولة إصلاح علاقاتها مع دول المنطقة وتجنب صناعة العداوات مع دول تشكل أهمية استراتيجية ومؤثرة في المنطقة كتركيا مثلًا، ومحاولة إعادة ترميم العلاقات الخليجية فيما بينها من ناحية وبينها وبين بقية دول المنطقة من ناحية أخرى. ومحاولة إبعاد المشاريع الهامشية والتركيز على قضايا رئيسية تتناسب مع التغيرات الجذرية التي تمر بها الظروف الدولية وتحولات المنطقة. هذا ما سيشكل ضامنًا حقيقيًا لأمن السعودية واستقرار المنطقة ويخفف من حالة العداء الذي صنعته السعودية نتيجة للممارسات الخاطئة وغير المحسوبة التبعات ربما أو تم حسابها بصورة مغلوطة. وبالتالي تخفف على نفسها عناء الابتزاز الأمريكي في أمنها وتعيد هامش المناورة السياسية والاقتصادية كحليف مهم وليس كتابع، وهذه الحالة الاستثنائية التي تمر بها المنطقة تتطلب عقلنة التفكير السياسي والاستراتيجي ودراسة جادة للمتغيرات الإقليمية والدولية، بما يضمن البعد عن المراهقات السياسية على حساب قضايا ذات بعد استراتيجي أعمق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد