تعتبر قضية الأراضي من أكثر القضايا التي أثارت الحراك ونوعًا من الانتفاضة في إثيوبيا، وكانت أهم أسباب الأحداث التي تأججت أخيرًا في عدد من مناطق البلاد بدءًا من مناطق في إقليم أروميا ومناطق في أقليم الأمهرا.

ومن الأسباب التي أدت إلى تصاعد هذه الوتيرة هي توسع بعض الخطط في المدن الكبرى بعد إنشاء ما يسمى بالمناطق الصناعية حول المدن التالية: أواسا في جنوب إثيوبيا، وأديس أبابا وبحردار ومغلى، الشيء الذي أدى إلى أخذ بعض الأراضي من المزارعين حول المدن بحجة التوسعة وتعويضهم بالأموال وبعض الأراضي في مناطق أخرى، مما أدى إلى تسييس هذا الملف من قبل المعارضة الإثيوبية، وتحريك الشارع، وخاصة في إقليم أروميا، الشيء الذي أدى إلى نوع من الغضب في الشارع الإثيوبي، وخروج مجموعات كبيرة في إثيوبيا، وبتحريض من المعارضة عبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

فكان أن تم تأجيل ملف خطة توسعة مدينة أديس أبابا وإلغاء بعض البرامج، وعقب الأحداث الأخيرة جاء قانون الطوارئ الذي عمل على تهدئة بعض الأوضاع في الولايات عقب اعتقال العديد من الأفراد وصلوا لأكثر من عشرين ألف شخص وإطلاق سراح عدد كبير منهم عقب فترة تدريبية لهؤلاء المعتقلين في مناطق العفر، وحسب الحكومة أن التدريب كان عن أهمية الدستور وكيفية المطالبة بالحقوق واحترام الأملاك العامة واحترام الدستور والقانون.

ولكن تظل بعض المطالبات تتواصل بصورة أخرى عبر مختلف المنابر الخارجية، وأخيرها حاولت الحكومة الاعتراف بأن هناك إخفاق في الإدارة والحكم الرشيد، واعتراف الحكومة جاء على لسان رئيس الوزراء بأن هناك بعض المشاكل لدى القيادات داخل الحزب الحاكم، ومشاكل الفساد الإداري، الشيء الذي أدى إلى انطلاق مفهوم التحديث، وذلك بأن تقوم كل المؤسسات مراجعة موظفيها ونشاطها وتقييم العمل خلال فترة الخمسة عشر عامًا، وتقييم الأفراد والإداريين والمسؤولين، التقييم الذي بدأ من أعلى الكوادر في الحكومة وصولاً لكافة العاملين بما يسمى مرحلة التجدد.

وأيضًا إقامة مشورات مع الأحزاب المعارضة الموجودة داخل البلاد؛ للتشاور حول المرحلة القادمة ومراجعة نشاط الحكومة خلال المراحل السابقة، الشيء الذي وجد قبولاً لدى تلك الأحزاب وتفهمها لهذا الدور الحكومي.

بالرغم من الجهود التي قامت بها الحكومة بخصوص تأجيل توسعة المدن وإيقاف التوسع على حساب أراضي المزارعين فإن بعض المحللين يرون أن هدوء الموقف فيما يخص موضوع الأراضي لم يكن بسبب تراجع الحكومة ولكن قانون الطوارئ هو السبب، وخاصة البنود التي تعطي قوات الأمن عددًا من الحقوق، واعتقال العديد من الأفراد في إقليم أروميا والأمهرا، وفشل المعارضة الخارجية لتحريك الشارع في ظل الخلافات الداخلية بين تحالف قنبت سبات وجبهة تحرير أرومو، بالإضافة إلى هذا هناك حراك مضاد للشارع الإثيوبي ضد الثائرين الذين قاموا بإتلاف الممتلكات.

ما زالت هناك بعض التحفظات على قرارات الحكومة، وخاصة عقب التعديل الوزاري الذي منح أغلبية المناصب للأروموا والأمهرا، الشيء الذي يراه الحزب الحاكم نوعًا من التغيير، ولكن السياسيين يرون أن هذا التغيير مجرد صورة فقط بدون المساس بالمواقع السيادية. وما زالت بعض القوميات تحاول رفض هذه التغييرات والمطالبة بإعادة الأراضي التي منحت للمستثمرين، وخاصة خلال المناقشات التي كانت مع المسؤولين في عدد من المناطق حول مناقشة قضايا الحكم الرشيد.

هناك توقعات بأن تعود الأحداث للأفق عقب الانتهاء من قانون الطوارئ، ولكن قد تحاول الحكومة مد هذا القانون لفترة إضافية، خاصة بعض البنود التي مازالت الحكومة تتمسك بها والتي تخص المنشآت والحقوق التي منحت لرجال الأمن.

تطورات الأحداث

عقب مرحلة من الهدوء تطورت الأحداث هذه الأيام في منطقة أروميا مرة أخرى، بسبب بعض المطالب، وأحيانًا وصلت لبعض المناوشات بين رجال الأمن وبعض الشباب، وآخرها الأحداث التي حدثت في منطقة أمبو في جنوب غرب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي قام بعض المواطنين بقطع الطريق لبعض شحنات السكر المتجهة إلى العاصمة أديس وإتلاف بعض الأملاك الحكومية، الشيء الذي أدى لتدخل قوات الشرطة والجيش في المنطقة ومقتل عدد من المواطنين في المنطقة، الشيء الذي أدى إلى تخوف بعض الجهات الدولية بألا تكون هذه مرحلة أخرى من تقليص الحريات في البلاد.

فمع التحركات التي بدأت في المنطقة ومواصلة البلاد للحركة الاقتصادية والنهضوية، أكد بعض المحللين أن هذه الأحداث هي بفعل تحركات المعارضة التي تعمل في الخارج، والتي لها أهداف في إسقاط الحكم، والتي حاولت عدة مرات، وكما يقول بعض الخبراء إن هذا الموقف أقل من الأحداث السابقة، ويمكن للحكومة الإثيوبية تجاوزه بحنكة، وما بين هذه الآراء وتلك تظل الأصوات تنادي بمزيد من المطالب، خاصة في أقاليم أروميا الذين يتوقعون مزيدًا من الحقوق، حسب بعض السياسيين.

تأتي أحداث أمبو الآن في وقت ترى الحكومة أنها قامت بتغييرات وتحسينات متعددة في عدد من القطاعات والمجالات، وعملت على حل مشكلة الحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، وخاصةً عقب التعديل الوزاري الذي قامت به حكومة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، ولكن تقديم بعض الاستقالات من عدد من الوزراء من جناحي تقراي وأروميا داخل الحكومة والحزب الحاكم، قدم العديد من التساؤلات: هل هي نتيجة اعتراض على ممارسة الحكومة لبعض الاتجاهات؟ أم أنه نوع من الرفض بطريقة أخرى.

تظل مطالب الشعوب هي العائق أمام الحكومة الإثيوبية، ما لم تحل ستواجه الحكومة الإثيوبية خلال المراحل القادمة العديد من المشاكل، في ظل نشاط المعارضة الموجودة في الخارج، والتي تجد الكثير من الدعم وتسعى إلى إسقاط  أركان الاستقرار في البلاد وزعزعتها.

كانت إثيوبيا الأكثر استقرارًا بين جيرانها الذين ينعدم لديهم هذا الاستقرار، بل كان لها دور في الإسهام في استقرار السلام في عدد من الدول مثل الصومال وجنوب السودان. المرحلة القادمة إذا لم تستطع الحكومة الإثيوبية فرض الاستقرار ستدخل المنطقة في دوامة من الصراعات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إثيوبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد