تِلْكَ المَرَاحِل الَّتِي يمِر بِهَا الإِنْسَان فِي هذه الدُّنْيَا وَالتَّغَيُّرَات المُخْتَلِفَة وَالَّتِي قَد يَتَحَوَّل خِلَالَهَا المَرْء مِنْ النَّقِيضِ لِلنَّقِيضِ تَمَامًا كُلٌّ فِي مَجَالِهِ وَالَّتِي قَد تَبْدُو سَرِيعة هذه الأَيَّام، فَتَجِد تَغْيِيرًا لِلفِكْر وَالمُعْتَقَد.. السُّلُوك وَالرَّأْي، قَدْ تُسَوِّد الحِكْمَة وَالمَنْطِق المَشْهَد وَقَد تَخْتَفِي.. فِي النِّهَايَة لَا جِدَال فِي كون هذه التَّغَيرَات إِيجَابِيّة إِذَا كَانت عَلَى أَسَاس مِنْ البَحْث وَالسَّعْي وَرَاء الحَقِيقَة أَو عَلَى الأَقَل مَا نعتقده كَذَلِكَ.

وبِاخْتِلَاف مَا يَتِم السْعَي نَحْوَه تبِعًا لِاخْتِلَاف الأَهْدَاف وَالميول، إِذَا صَدقَت النِّيَّة وَدُقِّقَ النَّظَر وَأُعِدَّتْ الخطَّة جَيِّدًا فَتَتَّسِع الرُّؤْيَة وَتَتَأَهَّب المُسْتَقْبِلَات بِدَاخِلِك لِحَالَة جَدِيدَة عبرعنها باولو كويلو:

“الإِثَارَة الَّتِي يُحَدِّثُهَا مَا هُو غَيْر مُتَوَقَّع، هُو الرَّغْبَة فِي التَّصَرُّف بورع، وَاليَقِين أَنَّنَا سَنَنْجَح فِي تَحْقِيق الحلْم الَّذِي طَالَمَا راودنا. يُرْسِل الشغف إِلَيْنَا إِشَارَات لِنَهْتَدِي بِهَا فِي حَيَاتِنَا وَيَجِب أَن نَعْرِف كَيْف نَفُك رُمُوز هذه الإشارات”.

وَمَع إِدْرَاكِك لهذه الحَالَة الَّتِي بَدَأت تَتَحَكَّم بِلَحَظَات حَيَاتِك وَعَلَاقَاتِك وَتُسَيْطِر عَلَيْهَا بِشَكْل إِيجَابِي كَبِير، سَتَبْصَرُه يظْهَر فِي السُّلُوك تجَاه الغَيْر وَالنَّفْس عَلَى حَد سَوَاء، وَالخُطُوَات الَّتِي جَرَى العُرْف عَلَى استغراقها وَقْتًا طَوِيلًا سَيدْفَعك الشغف تِلْقَائِيًّا إِلَى البَحْث عَنْ طُرُق أخَرى غَيْر تلك المَعْهُودَة مِنْ قَبْل وَسَيَتَمَثَّل لَك بِصُورَة الأَمَل عِنْد التعثر فَتَشْعُر وَكَأَنَّ كُل شَيْء يَسِير لِصَالِحِك…

إلا أن القِصَّة لَن تَنْتَهِي كَمَا كَانَتْ فِي رَائِعَة pursuit of happiness.

فَمَاذَا بَعْد الوُصُول إِلَى الحلْم خَاصَّة مَعَ كُل هذه التَّضْحِيَات وَالرَّغْبَة فِي الأَمَل لتَحْقِيقِهِ؟، نَفْسِيًّا فِي بِدَايَتِهِ وُصُولًا إِلَى الوَاقِع الَّذِي سِيؤُول إِلَيْه فِي نِهَايَتِه.

وَهُنَا يَا صَدِيق يَأْتِي الاخْتِبَار الحَقِيقِي لكل مَا تَعَلَّمْتُه خِلَال هذه التَّجْرِبَة، وَمَا تَظُن أَنَّك أَدْرَكْتِه تَمَام الإِدْرَاك، كُل هذه الأُمُور الَّتِي تُجَاهَد مِنْ أَجْلِهَا -وَهِي تَسْتَحِق- فِي النِّهَايَة لا بْد أَن تُدْرِك أَنَّهَا وَسِيلَة فِي حَد ذَاتِهَا لِغَايَة أَكْبَر، الأَرْض الَّتِي نَعِيش عَلَيْهَا لَم وَلَن تُصْبِح غَايَتِنَا.. تَقَدُّمَهَا وَرَقَّيْهَا وَسِيلَة مِنْ وَسَائِل العِبَادَة كَمَا فِي أَصَل النَّشْأَة وَبِالتَّالِي مَهْمَا توصل المَرْء إِلَى مَا يُرِيدُه مِنْ عِلْم وَمَعْرِفَة، أَهْدَاف وَطُمُوحَات تُصَور مِن قِبَلِ العقل عَلَى أَنَّهَا شَيْء عَظِيم وَالوُصُول إِلَيها إنجَاز كَبِير لِلبَشَرِيَّة هِي فِي حَقِيقَة الأَمْر شَيْء صَغِير لِلْغَايَة، إضافة لحالَة الشغف بِدَاخِلِك وَالَّتِي سَاعَدَتْك لِلوُصُول إلى مَا تعتقده غَايَتَك مِن الحَيَاة لَن تخَمِّد مَع تَحَقُّق مَا تُرِيد، سَتَظَل “طَاقَة” مَوْجُودَة إن لَمْ تُحْسِن إِدَارَتهَا سَتُحَوِّلُك لِشَخْص آخَر لَم تَعْهَدْه.

حَتَّى تتَّضِح الفِكْرَة أَكْثَر.. تخَيِّل أَنَّك تَطْمَح لِلحُصُول عَلَى مَرْكَز مَا وَبَذَلْت الكَثِير لِلوصول إليه وَعِنْدَمَا تَحْقق مُرادك ورَغْم مَشْرُوعِيَّة وَصِحَّة وَسَلَامَة وَسَائِل بُلُوغِه، سَتمِيل النَّفْس لِلحِفَاظ عَلَى مَا تَم بِأَي طَرِيقَة كَانَت حَتَّى لَو غَيْر مَشْرُوعَة، والأَسْوَأ أَنَّك لَن تشْعِر ثَمَّة خَطًّأ فِي مَا تَفْعَلُه وَسَيصْبِح الأَمْر مِنْ كَوْنِه وَسِيلَة لِغَايَة خُلِقَت مِن أَجْلِهَا إِلَى تَقْدِيس مَا حَقَّقَت وَعِبَادَتُه نَفْسُه، وَستَصِير طَاقَة الشغف الكَامِنَة بِدَاخِلِك غولًا كَبِيرًا يُسَيْطِر عَلَيْك لَا تَتَحَكَّم بِه، لَا تَتَعَلَّم مَن خَطَأ وَلَا تَبْصَرُه حَتَّى ولَا تَعْتَرِف بِوُجُودِه.

سَيَكُون الرَّأْي الصَّحِيح هُو رَأْيُك دَائِمًا وفَقَط مَا تَرَاه هُو الأَفْضَل ظَنًّا مِنْك أَنَّك الأجدر والأكفأ والأَكْثَر قُدْرَة عَلَى إدَرَّاك الأُمُور، فَفِي النِّهَايَة أَنْت مِنْ قمْت بِالتَّضْحِيَة لِأَجِل مَا تُرِيد مِنْ “هَدَف نَبِيل” وَسَيَصِير أَي نَقْد أَو مَلْحُوظَة وَلَو صَغِيرَة مُوَجَّهَة إِلَى طَرِيقَتِك فِي تسيير الأَشْيَاء أَمْرًا غَيْر مَقْبُول بَل وَغَيْر مَعْقُول التسليم بِه، فَتَجِد نَفْسَك تُحَاوِل التَّشَبُّث بِأَمْر هُو فِي النِّهَايَة طَرِيق طَوِيل بِهَدَف فِي آخَرِه عَظِيم إِلَى التَّشَبُّث بِالطَّرِيق ذَاتُه حَتَّى لَو جَد فِيه تغَيِّر تبِعًا لِلظُّرُوف والأَحْوَال وبات غير صالح، فَتُحَاوِل نَفْسَك التَّخَلُّص مِن كُل مَن يريد إِرْشَادَك إِلَى طَرِيق آخَر سَيَصِل إِلَى ذَات الهَدَف الَّذِي تَطْمَح لَه لَكِنَّه أَفْضَل مِن الطَّرِيق الَّذِي تعتقده، لَأُنْه سَيُثَبَّت خَطَأ هَذَا الاِعْتِقَاد.

أَبْصَر جَيِّدًا خُطُوَاتِك.. قَد يَكُون الهَدَف نَبِيلًا وَاضِحًا، بَذَلَت السَّعْي وَالجُهْد لِلوُصُول إِلَيْه لَكِن تحَلّى بِالحَكَمَة مَهْمَا ظَنَنْت وُصُولَك لِلقْمَة قد تم، هُنَاك آخَر يَجِب أَن تَسْتَمِع إِلَيْه وَعَلَيْك مُحَاوَلَة إِدْرَاك مَا يَرَاه وَيَبْصَرُه. الشغف حَالَة رَائِعَة نَتَمَنَّى جَمِيعًا بلوغَهَا لَكن لَا تركن إِلَيْهَا وحدها كِي لَا تَلْتَهِمك فَتَغْدُو هَالِكُا بَعْدَمَا ظَنَنْت النجَاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد