في ظل مفترق الطرق الذي نعيشه الآن وموقف كل طرف من أطراف المعادلة التي أمامنا، هذه المعادلة ذات المتغيرات العديدة لدرجة أنها تستعصي على الحل. سأقوم باستبعاد أحد المتغيرات لنرى المعادلة بشكل جديد قد يقربنا من فهم المشهد أفضل من ذي قبل.

أطراف المعادلة هم: الجيش وما يسمى بالدولة العميقة، والإخوان، وما يُطلق عليه التيار المدني. سأستبعد الجيش والدولة العميقة من المعادلة ونرى شكلها بدونهم. لقد تم ابتعاد الجيش عن السياسة، أصبح السيسي رئيسًا سابقًا، إذا افترضنا هذا الوضع، ماذا نرى؟

لقد بقي متغيران، أولهما وأقواهما الإخوان، ولموقفهم تبيان.

الثورات الشعبية غالبًا ما تكون فجائية وعشوائية، يحسب الثائرون دائمًا أن الصعوبة تكمن في نزع النظام القائم، في حين أن الصعوبة الأكبر تكمن في إحلال نظام بديل كفؤ قادر على إدارة البلاد وفق مطالب هذه الثورة، والتي دائمًا ما تتحدث عن الحرية والكرامة الإنسانية، أو إذا كانت دينية فإنها تريد إحلال النظام بآخر عقائدي. ما غاب عن ثورة الخامس والعشرين من يناير هو وضوح الرؤية، لم يكن أحد يتوقع سقوط النظام ولم يتعب أحد نفسه في وضع رؤية واضحة لما بعد مبارك، فتخبطنا وتأرجحنا بين الأجهز والأكثر استعدادًا وتنظيمًا.

أما الآن فالأمر مختلف قليلًا، الإخوان لا يحاربون لسبب مجرد، لا يحاربون للحرية أو العدالة الاجتماعية ولا لأي سبب رنان جاذب للأسماع، بل يحاربون لإرجاع الرئيس السابق محمد مرسي.

دائمًا ما يعيب المنتمون للتيارات المنافسة للتيار الإسلامي على مؤيدي الإخوان رفعهم لصور مرسي ويعتبرون هذه سذاجة وابتعادًا عن الهدف الأسمى، ولكني لا أعلم ما هو هذا الهدف الأسمى حقًّا ولا أعلم كيف يريد هؤلاء تحقيقه. أيقصدون بالهدف الأسمى حقوق الشهداء؟

كيف ستأتي حقوقهم؟ وماذا بعد الإتيان بحقوقهم؟ هل أول المطالب حقًّا هو حق الشهداء أم الوصول بنظام يمثل هذه الثورة للحكم لإرجاع حقوق الأحياء والأموات معًا؟

الأهداف العظيمة لا تُحقق بالتمني، ولا بالغناء من أجلها، ولا حتى بالوصول لدرجة غير مسبوقة من النبل والشرف، الأهداف تُنتزع وتتحقق إذا امتُلكت الأدوات لتحقيقها، وفي الموقف السياسي تتحقق الأهداف بالوصول للحكم. الثورة التي تنزع الملك من نظام ولا تأخذ هي الملك مدعية أنها أشرف وأنبل من هذا هي ثورة ساذجة صُنعت لتخسر وليخسر أبناؤها.

ما يميز تحرك التيار الإسلامي حاليًا هو امتلاكهم لهدف حقيقي قادر على صنع الفارق، أدرك الآن بعد قراءة للمشهد أن المطالبة برجوع مرسي من قِبل مؤيديه ليست سذاجة، بل هي نقطة قوة هذا التحرك. يرى الإخوان المشهد كالتالي، حَكَمَ مرسي لعام تكالبت فيه مؤسسات الدولة عليه وقامت بإفشاله بالتعاون مع بعض الدول التي لها مصلحة في سقوط الإخوان، وهم يحاولون الآن التنكيل بهم ليتأكدوا أنهم لن يرجعوا أقوى من ذي قبل.

لذا هم يناضلون للبقاء، ويناضلون لاسترجاع الحكم الذي سينصفهم ويقضي على مخططات أعدائهم، وهم اتفقنا أو اختلفنا معهم منطقيون للغاية. فالحل بالنسبة لهم هو وصولهم للحكم من جديد، برؤية جديدة وظروف مختلفة أصبحوا معها أكثر إدراكًا للوضع وكيفية التعامل معه.

فالوصول للحكم ليس هدفًا مستغربًا على جماعة سياسية، المستغربون هم السذج.
أما عن التيار المدني، فحاله كما هو منذ أربع سنوات، تائه ضائع لا يدري لأي شيء يناضل. كوادره متفرقة وشبابه مختلفون معظم الوقت، لا يتفقون على شخص أو أشخاص بعينهم ليعبروا عنهم، ليس لهم رؤية محددة لما سيأتي، لم نر لهم ماضٍ ولا نرى لهم الآن حاضر وبطبيعة الحال ليس لهم مستقبل.

يقومون بعض المطالبات والوقفات الاحتجاجية كل حين وآخر ولكنها أضعف من أن يتم ذكرها. هذا التيار كان في البداية – في معظمه- مؤيد لإسقاط مرسي، ومع تتابع الأحداث ومع التنكيل بالإخوان أصبحوا أقل عدائية وأكثير تقبلًا للإخوان، فالمظلومون والبؤساء دائمًا تجمعهم قسوة الظروف.

أصبح التيار المدني الذي تحالف من قبل مع الفلول ومع الجيش أكثر قابلية للتحالف مع الإخوان، وهنا سيحدث أحد أمرين لا ثالث لهما إذا استمر سير هذا التيار بلا رؤية واستمر الجيش والإخوان في صراعهما.

إما سيدرك قادة النظام الحالي أن وضعهم يسوء وأنه يجب عليه إن أراد أن يصبح عدائيًا، فليصبح عدائيًا ضد كل عدو على حدة، لا أن يعادي الجميع مرة واحدة.
وهنا سيسعى لاجتذاب التيار المدني تحت مظلته ليكون داعمًا له ضد الزحف الإخواني، وإما سيكون الإخوان أسرع إدراكًا وسيصلون لاتفاق ما مع هذا التيار المهلهل وسيتصالحان للوقوف أمام عدو مشترك، القاسم المشترك هنا أن التيار المدني سيكون أداة كالعادة، لأنه فاقد للرؤية والقيادة ولا يعلم كيف يصل لأهدافه.

طرف الجيش أقوى كثيرًا، ولكن بافتقاده شعبيته رويدًا رويدًا وافتقاده التأييد الخارجي إذا لم يستطع السيطرة على الأوضاع الداخلية، وإذا استمر الزحف الداعشي في سيناء وإذا فاض الكيل من الغلاء والفساد والظلم، ستثقل كفة الإخوان وعند هذه المرحلة سيصبح الحل المطروح هو رجوع مرسي ولو مؤقتًا، وأظن أن قابلية التيار المدني لتقبل هذا الأمر ستزداد لأنهم لا يملكون حلًّا أصلًا.

هذا مرهون بأكثر من أمر:

أولًا: استمرار ضغط الإخوان في الشارع واستمرار صمودهم.

ثانيًا: استمرار أسلوب النظام الحالي في معاداة الجميع.

ثالثًا: استمرار الفشل الأمني في سيناء وانهيار الدعم الخارجي للسيسي.

رابعًا: عدم نزوع الإخوان للعنف والمواجهة المسلحة مع النظام، فهذا سيفقدهم كل شيء، فما حازه الإخوان من تعاطف لم يكن متوقعًا بعد كره الناس لهم، ولكن كما قلنا فالمظلومون والبؤساء دائمًا تجمعهم قسوة الظروف، والكل حاليًا مظلوم وبائس.

الإخوان أمام فرصة تاريخية إذا استمروا في المواجهة وكانوا أكثر حنكة وأطول نفسًا وتمسكوا بالفرصة التاريخية التي أمامهم، ألا وهي أنهم يعرفون ما يريدون. ومع استمرار النظام الحالي على نفس المنوال سيخسر بالتأكيد في النهاية، فمن يعادي الجميع يخسر.

إذا أصبح السيسي رئيسًا سابقًا وعاد الإخوان للحكم فسيحكمون مصر طويلًا، إذا آمن الناس بأن هذا أقل سوءً من الوضع الحالي، سيصبح السيسي عاجلًا أو آجلًا رئيسًا سابقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد